لعدم اطلاعهم عليه، أو وجود قادح عندهم، ومن جملة ما اعتبروه قادحا أن لا يعمل به علماء بلدهم، فيقولون لو لا أن هناك قادحا لعملوا به واشتهر، وهو قادح ضعيف كما لا يخفى، فيصير الأولون يذمون الآخرين بنبذ السنّة واتباع الرأي، والأخيرون يذمون الأولين بالجمود وضعف الفكر» 1.
و كما هو الحال في كل زمان، يتدخل المتعصبون من الطرفين، والمؤججون للصراع من خارجهما، لزيادة النار استعارا، وتضخيم الخلافات إن كانت صحيحة، واختلاقها إن لم توجد، وهكذا ظهر المتعصبون «لكلا الفريقين، فاتسع الخلاف، واحتدم النزاع، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقة شيخه، ويدافع عن مذهبه، إلى أن قيض اللّه لهذه الأمة من أخذ بيدها إلى الطريق السوي، وبين القواعد التي يحتكم إليها الجميع، وهو الإمام الشافعي» 2.
إن إنكار الاختلاف بين المدرستين والاتجاهين أو نفي وجوده، ليس من مقاصد هذا البحث، ولكن تهويل هذا الاختلاف وتحويله إلى نزاع، خصوصا بين أقطاب العلم والفقه في ذلك الوقت، هو المتيقن أنهم مترفعون عنه، لقد كانت لهم اختلافات علمية في ما بينهم حول بعض التفريعات المرتبطة بالقضايا الأصولية مثل الإجماع والعرف والقياس ومذهب الصحابي، مع تقدير بعضهم لبعض واحترام بعضهم لبعض، وكان لهذا الاختلاف العلمي أثره البالغ في نشأة وتدوين علم أصول الفقه 3.