-«فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟
-فقلت له: العلم علمان، علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله.
-قال: ومثل ماذا؟
-قلت: مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ... وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع.
-قال: فما الوجه الثاني؟
-قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب، ولا في أكثره نص سنة.
وإن كانت في شيء منه سنة، فإنما هي من أخبار الخاصة (أي أخبار الآحاد) لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل، ويستدرك قياسا.
غياب المنطق الكلامي: قد يتوهم البعض بأن بناء الرسالة على أسلوب حواري معناه أنها تتضمن المنهج الكلامي الفلسفي، وهذا أمر غير صحيح.
فالرسالة لم تتضمن الحدود والتعريفات والماهيات كما دأبت على ذلك المؤلفات الأصولية في ما بعد، فحينما أورد الشافعي السؤال الافتراضي عن العلم، كما رأينا في الفقرة السابقة، لم يجب عنه بالكلام عن حد العلم أو ماهيته، نحو قولهم: «العلم هو معرفة الشيء على ما هو به» 1.
و إنما انصب الجواب مباشرة على الجوانب العملية البعيدة كل البعد عن المنحى الكلامي النظري، فالعلم عند الشافعي قسمان: علم عامة، وهو ما يسمى بفرض العين وهو الذي يجب على كل مسلم، وعلم خاصة وهو ما يسمى