من هؤلاء أبو بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجانى، من الأقدمين، وفريد
وجدى من المحدَثين. وسبب هذا الحكم - كما سبق - أن هذه الفنون يمكن
التعمل لها. والاحتيال عليها. وما كان ممكنًا أن يُتعلم ويُحذق بالصنعة. فلا
يكون وجهًا من وجوه الإعجاز.
وعلى العكس من هذا. . فإن فريقًا آخر قد اعتبر البلاغة والفصاحة، وجهًا
من وجوه الإعجاز. ومن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلى، وفخر الدين الرازى، وحازم، والمراكشى.
قال الرازى:"ووجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من"
العيوب"."
ويقول حازم:"وجه الإعجاز في القرآن حيث استمرت الفصاحة والبلاغة"
فيه جميعه. استمرارًا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد"."
ويقول المراكشى:"إن الإعجاز حاصل ببلاغة القرآن، وروعة نظمه، ليس"
إعجازه بمفرداته ولا بمجرد تأليفه، ولا بحركات إعرابه، ولا بصرف العرب
عنه"."
هذان رأيان متقابلان والصحيح الذي يمكن قبوله أن المسألة وَسَط بين الفريقين.
فلا يمكن عزل البلاغة والفصاحة عن وجوه الإعجاز ولا يمكن كذلك جعل الإعجاز كله راجعًا إليهما.
بل هما - أي الفصاحة، والبلاغة - عاملان من عوامل الإعجاز. وليستا
أوحديتين فيه: لأن المختار أن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف، والفصاحة
والبلاغة من أهم سمات النظم البليغ والتأليف المحكم.