وإنما الذي كان ينتقده الخوارج هو بعض التجاوزات والاجتهادات التي كانوا يرونها خاطئة.
ومن أمثلة ذلك قصة الحَكَمين التي جرت في التحكيم بين جيش علي ومعاوية وما جرى فيها حيث ثار الخوارج وقالوا حكّمتم الرجال واحتجّوا بعموم قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وزعموا أن كل من عصى الله فقد حكم بغير ما أنزل الله وكفّروا الحكمين ومن رضي بحكمهما وكفّروا معاوية وعلي -رضي الله عنه-ما وكان ذلك أول مخرجهم، ولذلك سميت أول فرقهم بالمحكّمة، فناظرهم الصحابة ومن أكثر من ناظرهم ابن عباس، وحاجّهم بأن ذلك من الصلح بين المسلمين وليس من الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه الكفري واستدل بقوله تعالى في الخصومة بين الزوجين {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} وأنه إن جاز تحكيم الرجال في الصلح بين الزوجين فمن باب أولى أنه يجوز لحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلّم.
وناظرهم بغير ذلك من الأدلة كما هو مبسوط في كتب التاريخ والفِرق، وبيّن لهم أن هذا الباب وإن حصلت فيه أخطاء أو تجاوزات فهو ليس من الكفر الذي يذهبون إليه وعلى هذا يُحمل ما ينسب إليه من قول"كفر دون كفر"فرجع منهم خلق، وأصر آخرون فقاتلهم علي والصحابة وحصل معهم ما هو معلوم في كتب التاريخ.
فهل ما القوم فيه اليوم من التشريع مع الله واستبدال أحكام الله وابتغاء غير الله حكمًا ومشرعًا وغير الإسلام دينًا ومنهجًا.
هل هذا كله يا أولي الألباب من ذلك الباب الذي جرى بين الصحابة وأنكره الخوارج وجرت فيه المناظرة حتى يصلح تنزيل ما قيل في ذلك الزمان عليه؟.
وعلى كل حال فقوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} عام يشمل الحكم بمعنى الجور (كفر دون كفر) والحكم بمعنى التشريع (كفر بواح) .
ولذلك فإن السلف كانوا إذا وردت الآية وأراد المستدل بها المعنى الأول (الجور) أوّلوها وحملوها على الكفر الأصغر، وإن استدل بها على المعنى الثاني (التبديل والتشريع) أبقوها على ظاهرها أي الكفر البواح الحقيقي.
مع أن الأصل في الآيات أنها تتناول الكفر الأكبر البواح الذي مارسه اليهود حين اتّفقوا واجتمعوا وتواطئوا على أحكام غير أحكام الله.
ولذلك قال البراء بن عازب -رضي الله عنه- كما في صحيح مسلم بعد أن ذكر قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} و {الظّالمون} و {الفاسقون} قال"في الكفار كلها".
فلو أن الخوارج أوردوها في موضعها على من شرّع أو وقع في ما وقع به اليهود لما أنكر عليهم السلف ولأبقوا الكفر فيها على حقيقته ولما أوّلوها .
لكنّ ذلك لم يكن موجودًا في ذلك الزمان حتى يخوضوا فيه، ولو كان موجودًا لما أوردوا عليه مثل هذه الآية الظنية الدلالة التي تحمل المعنيين، بل لأوردوا نصوصًا قطعية الدلالة لا تحتمل إلا المعنى التشريعي التبديلي كقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} ، وقوله تعالى {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وقوله تعالى {أَفَحُكمَ الجَّاهِلِيًّةِ يَبْغُونَ} وقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
لكنّ شيئًا من هذا لم يكن موجودًا عند الخلفاء في زمن الخوارج وابن عباس، ومن ثم فلا يحل إيراد ردّ الصحابة عليهم في ذلك المقام وتنزيله على شرك هذه الحكومات وكفرها البواح في هذا الزمان.