الأرصدة الماليّة، وحينئذٍ يصبح الجهاد في مأزق حقيقيّ، حيث يضرب المجاهدون ضربًا شرسًا وذلك ليصبحوا تحت وطأة هؤلاء اللصوص وقطّاع الطّريق إلى الله تعالى، فتظهر الأمراض العجيبة، وتتكشّف النّفوس الخبيثة، ويقع الفِصام النّكد بين المجاهد الحقيقيّ والمموّل الخبيث (لص بغداد) ، وأمثلة هذا كثيرة الوقوع وعديدة فمِن أفغانستان إلى فلسطين إلى البوسنة والهرسك إلى سوريا .. إلى .. إلى .. ، ومن هذه العوامل كذلك: إرضاء القواعد التّحتيّة المتململة، فالإنسان المسلم الفطري السويّ تتوق نفسه فطريًّا إلى الجهاد، وإلى المشاركة في مواطن العبوديّة لله ضدّ الكفر بجميع صنوفه وأشكاله، فمن أجل تفريغ هذا المِرجل من بخاره الغاضب، فلا بدّ من بعض المنفّسات للتّفريغ الذّكيّ الخبيث، فتسارع الجماعة إلى تبنّي أعمال جهاديّة لتقنع القيادة قواعدها أنّها لم تغيّر الطّريق، أو لتعريف قواعِدها أنّ هناك فرقًا بين ما هو معلن من أجل الغطاء السّياسي، وبين ما هو مخفيّ حقيقيّ.
هناك جماعاتٌ طفيليّة ووصوليّة في هذا الباب معروفة لدى القاصي والدّاني، وهي تملك في خطابها نوعين من المضمون، نوع يتعاملُ مع الأفكار والمفاهيم بكثير من الشّرعيّة والأصوليّة، ونوع يتعامل مع الواقع بكثير من الميكافيليّة والثعلبية.
فجماعةٌ ترى عدم شرعيّة الانتخابات الشّركيّة مثلًا ولكنّها لا تفتأ بل لا تتوانى في تأييد جماعات العمل البرلمانيّ، خاصّة إذا أخذت هذه الجماعات خطوات متقدّمة في الحضور الإعلاميّ، والوجود الجماهيريّ الشّعبيّ.
هذه نقطة على الجماعات السّلفيّة المجاهدة أن تحسمها منذ البداية، عليها أن تحسمها وجودًا وكونًا وذلك بقطع الأيدي والأرجل التي تحاول التّسلّق طفيليًّا على أسوار الجهاد السّلفيّ الواضح، وعليها أن تحسمه فكريًّا وذلك ببيان الفوارق الشّرعيّة بين هذه الجماعات الطّفيليّة وبين المجاهدين الموحّدين.
نعم في الجهاد السّلفيّ الواضح هناك قضايا لا يمكن أن يتحمّلها الطّفيليّ الوصوليّ، وإنّه وإن حاول الالتفاف الخبيث حينًا من الدّهر، فإنّه لا يستطيع أن يواصل بالشّوط إلى نهايته. في الجهاد السّلفيّ ميّزات وخصائص عن عموم الجهاد في المفهوم العرفيّ لدى عوامّ النّاس ومن هؤلاء العوامّ قادة الحركات البدعيّة، وقادة الحركات الطّفيليّة الوصوليّة، ومن أهمّ هذه الفوارق:
صفة الجهاد وطبيعته ونوعه: حركات الجهاد السّلفيّ تقاتل في بلاد الردّة تحت راية واضحة، وكذلك تصف العدوّ وصفًا واضحًا، فهي تصف هذه الطّوائف المعادية أنّها طوائفَ ردّةٍ وكفر، لأنّها اجتمعت بقوّة وشوكة على أمرٍ مكفّر، أجمعت على كفره ملّة الإسلام، فنوع قتال هؤلاء الخصوم، وجنس هذا القتال، أنّه قتال المرتدّين، وهذا القتالُ له أحكامه الخاصّة التي تجتمع وتفترق عن قتال الكفّارِ الأصليين، وحين تقاتل هذه الطّوائف السّلفيّة المجاهدة تحت هذه الرّاية، فإنّها لا تفرّق في هذا القتال بين مرتدٍّ"دكتاتور"متسلّط، وبين مرتدّ"ديمقراطيّ"سِلميّ.
فهذا فارق مهم في التّفريق بين جهاد الموحّدين السلفيين وبين جهاد المبتدعين الضالين، فليس مجرّد رفع راية الجهاد كافٍ لإدخال المرء في طائفة التّوحيد والجهاد، وهذا الأمر يوجب على الشباب السّلفي المجاهد أن يتوثّق لدينه وأن يتبيّن راية جماعته، ولا يجوزُ له أن يقاتل تحت راية عمية لا يدري أين تسير به، ففي يوم تسمّيه البطل المجاهد، وبعد حين تقذفه بأقبح الأوصاف وأشنعها.