فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 431

وعلى هذا فإنّ القائل من أهل الأصول: إنّ الشّريعة - بنصوصها - لا تفي عشر الحوادث والوقائع هو قول واهم مخطئ، دفعه له عدم توسّعه في الإطلاع على كتب الحديث، ومعرفتها معرفة صحيحة.

أسباب الإعراض عن النّص من قبل المفكّر أو الفقيه عديدة (ونحن هنا نتكلّم عن الإسلاميين) أهمها:

1 -ظنّ المفكّر أو الفقيه أنّ النّص يخالف العقل، أو بعبارة بعض الفقهاء: هذا نصّ على خلاف القياس، وبعبارة أهل الكلام: تعارض العقل مع النّقل.

وقائلوا هذه العبارات يقعون في هذه الأخطاء الفاحشة لعدّة أسباب منها:

أن هؤلاء المفكّرين قد يغلب على ظنّهم صواب بعض القواعد العقلية الوافدة، ويجعلونها يقينيّة، فيلتفتون إلى النّصّ الشّرعي فيرونه مخالفًا، فينشأ لديهم هذا التصوّر الفاسد.

ومن أسباب هذه الأخطاء كذلك: عدم قدرة هؤلاء المفكّرين على التّمييز بين النّصّ الثابت والنّص الضّعيف، فيصبّون جام غضبهم على النّص الضعيف، وبه يتّهمون النّص بمخالفة العقل أو القياس.

2 -ظنّ المفكّر أو الفقيه تحقيق المصلحة بعيدًا عن النّص:

وهؤلاء لمّا رأوا مجموع النّصوص داعية إلى اعتبار المقاصد والمآلات، ظنّوا أن تحقيق المآلات هي إصدار الحكم الشّرعي، ونكتفي هنا بإيراد المقصود الصحيح لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا ضرر ولا ضرار ) ).

اعلم أخي في الله أنّه لا يوجد حكم شرعي ثبت في الكتاب والسّنة إلا وهو بذاته يحقّق المصلحة للعباد في الحال والمآل، ثم اعلم أن المصالح تتعارض فلا بدّ من تقديم الأقوى على الأضعف، ولهذا لا يمكن معرفته عند تفاوت العقول إلاّ بالنّص، ثمّ اعلم أنّ المصلحة لا يمكن تحقّق حدوثها ومآلها إلاّ بالوعد المحمول داخل النّص.

هذه الأمور وغيرها الكثير ترشدك: أنّ العصمة للنّص وهي القادرة على معرفة الضّرر والضّرار، والعقل تتفاوت مراتبه وتقديراته فالإحالة عليه إحالة على غير ثابت.

3 -ظنّ المفكّر أو الفقيه عدم كفاية الثّبوت في ذات النّص كقول بعضهم: حديث الآحاد لا يفيد العلم، وهذا قول أهل الكلام. والتّفريق بين القطعيّ والظّنّي على هذه الصّور المعروضة حادثة لا تعرف عند الأوائل، وهي من إفرازات أهل الرّأي والكلام.

هذه الأسباب الظّاهرة (العقلية) التي يطرحها صاحب الرّأي لردّ النصّ المعصوم كافية عند أهل السنّة والجماعة لاعتبار الرّجل متأولًا مع أنّه مخطئ ولا شكّ.

لكن ماذا عن الأمور الباطنية؟ التي تدفع المفكّر أو الفقيه لردّ النّص المعصوم؟.

هناك أسباب نفسية عدّة تدفع المفكّر لهذا المسلك البدعي أهمّها:

أ - عدم الخلوص من أهواء النّفوس، لأنّ العبوديّة لله تعالى تعني تجرّد العبد من جميع أهوائه، وأعظم الأهواء في هذا الباب هو أن يعتبر الإنسان أنّ له قولًا ورأيًا، وأنّه صاحب شخصيّة معتبرة، ينسب لها القول، ويشار إليها بالاعتبار والتقدير.

ب - محاولة تليين الإسلام وليّه ليوافق رغبة الإنسان وهواه، أو ليوافق الواقع، وهذا نراه في أغلب آرائيّة زماننا، فإنّهم لهزيمتهم النّفسيّة أمام استعلاء الكفر واستكباره في هذا الزّمان يعمدون إلى ليّ أعناق النّصوص لتوافق رغبات النّاس وأهوائهم، والشّيخ المصري محمّد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت