العلماء، كان إطلاق لفظ العمالة والجاسوسية على رجل أو حركة خطير جدا لا يصلح معه اللعب والفهلوة، نعم عليك بالحذر والكيس والفطنة ولكن عليك أن لا تكفر الناس بالظنة، فالأمر خطير.
هذه مسألة أولى تتعلق بأولئك القوم الذين يضربون بالرمل ويدعون علم السياسة فيستسهلون القول بأن فلانا أو تلك الحركة عميلة للطواغيت، فليعلموا أن معنى حكمهم هذا هو تكفير هذا الفرد وهذه الطائفة وتجويز قتله وقتاله لأي أحد من المسلمين .. هذه واحدة.
أما الثانية: فهي ما قدمنا من إبطال أي عمل جهادي ضد طاغوت من الطواغيت ..
من قرأ سيرة الصحابة رضي عنهم في حروبهم وجهادهم رأى بكل وضوح أن جهادهم للمرتدين وخاصة قتال بني حنيفة أتباع مسيلمة كان من أشق الحروب وأتعبها عليهم فقد جهدوا فيها جهدا عظيما، وقال أهل السيرة أن عدد من قتل من المسلمين يقارب الألف، وعدد قتلى بني حنيفة (10) آلاف نفس، وكان عدد كبير من القتلى من حملة القرآن، وكانت هذه المقتلة سببا في إقبال الصديق -رضي الله عنه- على جمع القرآن، ثم من نظر في مسيرة التاريخ الإسلامي رأى أن حروب المسلمين لطوائف الزندقة كانت من أشد البلاء على المسلمين، أشد من قتالهم للكفار الأصليين، ولو تمعنا في سبب هذا الخصوص في قتال المرتدين لرأينا أن الأمر يرجع إلى سببين اثنين، وبفهمهما تدرك جماعات التوحيد والجهاد أن ما هم عليه لا يقوى له إلا الرجال ولا يقوم به إلا من أخلص وجهه لله سبحانه وتعالى، هذان السببان هما:
1 -إن حكم قتال المرتدين أشد من حكم قتال الكفار الأصليين:
قال الغزالي في"فضائح الباطنية" (ص 95) : والقول الوجيز فيه أنه يسلك بهم (أي الزنادقة الباطنية) مسلك المرتدين في النظر في الدم والمال والنكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والاسترقاق والقتل، ولا يتخير في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهر وجه الأرض منهم، هذا حكم الذي يحكم بكفرهم من الباطنية، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم، فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم. ا. هـ.
فالمرتد أحكامه في القتال أشد من الكافر الأصلي. وكذلك لا يجوز مصالحة ومهادنة وعقد الأمان للمرتدين، ويجوز مصالحة ومهادنة وموادعة الكفار الأصليين: - قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبعد دارهم، أو كثرة عدوهم أو خلة بالمسلمين (أي اضطراب أمور المسلمين) ، أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين، وإن أعطاهم المشركون شيئا قل أو كثر كان لهم أخذه. (1)
وجاء في"السير الكبير"وشرحه للشيباني بشرح السرخسي: وان لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة، لأن الموادعة خير للمسلمين في هذا الحال، وقد قال الله عز وجل: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} . (2) وقال ابن قدامة: وتجوز مهادنتهم على غير مال، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هادنهم يوم الحديبية على غير مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى. (3)