فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 431

ووجه آخر: حملوه على من استهان واستهتر بتكفير المسلمين فإنّ ذلك قد يؤدِّي به إلى الكفر وغير ذلك من التّأويلات.

وقد ذكر النووي منها في شرح صحيح مسلم عدة أوجه.

وإنّما اضطروا إلى تأويله وفهمه على ضوء غيره من النصوص، لأن ظاهره معارض لأصل من أصول الدين المحكمة عند أهل السنّة والجماعة في أبواب الكفر والإيمان وهو قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} .

ولا شك أنّ رمي المسلم بالكفر غضبًا دنيويًا أو للهوى مسبة له، وذلك دون الشرك.

ولذلك اضطرّ من اضطرّ إلى تأويله، برده إلى النصوص المحكمة الأخرى، وفهمه على ضوئها.

ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة، أنّ من كفّرنا أو كفّر غيرنا من الموحدين المسلمين بغضًا لهم ولتوحيدهم وبراءتهم من الطواغيت وسمّى دينهم دين الخوارج نصرة لأعداء التوحيد من الطواغيت ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم على الموحدين، بأنّه هو الكافر استدلالًا بهذا الحديث لكان ذلك حقًّا لا مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله لأنّ ذلك كفر دون شكّ.

أمّا قول ذلك الجاهل لا يكفر إلا من وُلِدَ كافرًا من أبوين كافرين فهو قول ساقط يدلّ على أنّ قائله لا يعرف حقيقة دين الإسلام وتكلُّف الردّ عليه مضيعة للوقت والجهد ومعناه أنّ المسلم لا يكفر أبدًا وهذا لم يقل به من المتقدِّمين لا عالم ولا جاهل.

ويكفي في كشف بطلانه ما تقدّم من كلام الله تعالى وكلام رسوله وكلام العلماء في باب أحكام المرتد فإنّ فيه شفاء لمن في ناظريه عمىً.

الشبهة الخامسة

العذر بالجهل:

قال المجادلون عن عساكر القوانين: إنّ هؤلاء العساكر جهّال بحاجة إلى من يعلمهم ويدعوهم ويبيِّن لهم، فهم لا يعرفون أنّ سادتهم طواغيت وانّ طاعتهم لهم في التّشريع عبادة وشرك.

وبالتالي فليس تولِّيهم لهم وحراستهم للقانون كفر.

الجواب: لا خلاف في أهمية واستحباب دعوة هؤلاء العساكر وغيرهم وأنّ ذلك من أحسن الأعمال قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .

لكن كُلٌّ مشرك بالله في العبادة (8) قبل الدعوة وأثناءها وبعدها ما داموا غير ملتزمين بالتوحيد ولا كافرين بالطواغيت فهم مشركون.

والقول بأهمية دعوتهم لا يغير من حكمهم ولا يجعلهم موحدين أو يرفع مسمّى الشرك عنهم فالله عزّ وجلّ يقول {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} .

فقد سمّاهم الله بالمشركين قبل أن يسمعوا كلام الله ووصفهم بذلك مع أنّهم لا يعلمون (أي جهّال) .

وأمره لنبيه صلى الله عليه وسلّم بدعوتهم وإسماعهم وتبليغهم الدعوة لم يغيِّر من ذلك الوصف شيئًا لا قبل الدعوة ولا أثناءها ولا بعدها ما داموا ملازمين للشرك غير ملتزمين للتوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت