فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 431

النص من أن التغيير باللسان للعلماء فقط وما أظن أحدًا عنده أدنى بصيرة بالنصوص الشرعية يقول بعد ما سبق من البيان إن العامة ليس لهم الإنكار باللسان.

وعلى ذلك فالمعنى الصحيح لقول القرطبي هو أن تغيير المنكر باليد أوجب على الحكام من غيرهم، وأن التغيير باللسان أوجب على العلماء من غيرهم، وأما التغيير بالقلب فيستوي فيه الجميع والله أعلم.

خامسًا: إنه لو فرض أن القرطبي -رحمه الله- ذهب إلى هذا الفهم الذي فهموه لكان لنا أن نخالفه -رحمه الله- ولا نأخذ بقوله حيث كان هو مخالفًا للأحاديث الصحيحة وعمل الصحابة والإجماع الذي نقله هو بنفسه -كما مرّ بنا-، على أننا استطعنا -بحمد الله- التوفيق بين كلامه وكلام غيره من العلماء فاستقام الأمر والحمد لله.

8 -شبهة الضرر الواقع على الغير:

يثير البعض قضية الضرر الواقع على الغير من جراء القيام بتغيير المنكر، فيقولون: إن المسلم إذا قام بتغيير المنكر فإن أهله وأقاربه سيتعرضون للأذى من جانب أهل الباطل، فلا يجوز التغيير بناءً على ذلك.

ونحن نقول لهؤلاء: نعم قد ذكر بعض العلماء أنه إن أدى تغييرك المنكر إلى الإضرار بغيرك من المسلمين، فإنه يحرم عليك التغيير وفي ذلك يقول الغزالي -رحمه الله-: (( فإن كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها، فإن إيذاء المسلمين محذور، كما أن السكوت على المنكر محذور، نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو نفس ولكن ينالهم الأذى بالشتم والسب، فهذا فيه نظر ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكر في تفاحشها ودرجات الكلام المحذور في نكايته في القلب وقدحه في العرض ) ) (27) .

والمتأمل في الكلام السابق يجد مبناه على قياس المصالح والمفاسد، بمعنى أنه إذا وقع أذى على الغير فإن ذلك مفسدة تمنع التغيير، والنظر الدقيق يقتضي -والله أعلم- أن نوازن بين هذا الأذى وبين ذلك المنكر، فقد نجد من المنكرات العامة ما ينبغي أن يتحمل لتغييره الأذى الذي قد يقع على الغير، وذلك لخطورة ذلك المنكر، ولهذا فإنه لو تترس العدو بطائفة من المسلمين فقد اتفق الفقهاء على أنه متى ما لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (28) .

وقد وجدت تقرير هذا الذي ذكرناه عند السيوطي -رحمه الله- في الأشباه والنظائر حيث قال عند حديثه عن فروض الكفايات: (( ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يختص بأرباب الولايات ولا بالعدل ولا بالحر ولا بالبالغ ولا يسقط بظن أنه لا يفيد أو علم ذلك عادة، ما لم يخف على نفسه أو ماله أو على غيره مفسدة أعظم من ضرر المنكر الواقع ) ) (29) .

فقد اشترط -رحمه الله- لسقوط التغيير أن يكون الضرر المتوقع وقوعه على نفسه أو ماله أو غيره أعظم من ضرر المنكر المراد تغييره، وهذا -والله أعلم- هو الصواب، ألا ترى لو أن رجلًا قصد رجلًا ليقتله ولم يمكن دفع ذلك إلا بما يؤدي إلى قطع طرف شخص ثالث، أيصح أن يقال إنه يجب ترك الأول يقتل الثاني حتى لا تقطع طرف الثالث؟ لا شك أن الإجابة أن هذا لا يصح وأنه يُتحمل قطع طرف إنسان مسلم في سبيل حفظ حياة مسلم آخر. والله أعلم

ومن ناحية أخرى فإن افتراض أن كل تغيير باليد سيؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير هو افتراض غير صحيح بالمرة وهذه نقطة تتعلق بالواقع، ومن مارس هذه الأمور وتعرض للإيذاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت