وجزمًا هؤلاء يفكّرون بعقليّة أهل القمر، وليس بعقلية النّاس والبشر، وسيؤدي بهم قولهم هذا (الممتنع وجوده قدرًا) إلى اليأس من العمل الجهادي وحصوله، وبالتّالي إلى شتم العنب (كما حصل للثّعلب حين عجز عن الوصول إلى العنب لعلوّه عن قدرته فذهب يشتمه) .
على الرّغم من أنّ هذا الوصف يطلق بتوسّع في كثير من الكتب على كل من اشتغل بالفقه، وأُثر عنه الفتوى (حتّى أن ابن قتيبة في كتابه المعارف ذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى من أهل الرّأي) ، إلا أننا نقصد بأهل الرّأي هنا: من آثر عقله على نصّ رسول الله ?، فاستحسن قولًا أو مذهبًا والنصّ بين يديه على خلافه.
اعلم أخي في الله أن الكتاب والسنّة (بنصوصهما) تستوعب الزّمان والمكان، فلا يوجد واقعة أو حادثة إلاّ وفي النّصوص المعصومة ما يكشف لك أمرها بعينها وذاتها، فإنّ الله تعالى لم يبق للنّاس شيئا يحتاجونه إلا وكشفه لهم، وبيّن لهم أمره، علمه من علمه، وجهله من جهله. فالكتاب والسنّة هما دليلا الحقّ دون سواهما، وقد يظنّ البعض أن هذا القول نفي للإجماع والقياس، وليس الأمر كذلك، فكيف ذلك؟.
أمّا بالنّسبة للإجماع: فإن القول الحقيق بالقبول أنّ الإجماع يقسم إلى قسمين:
أ - إجماع قطعي: وهو ما يسمّى بالمعلوم من الدّين بالضرورة، وقد ضرب الإمام الشافعي في رسالته الأمثلة عليه، وهذا لا يجوز لمسلم مخالفته، وهو الّذي قيل فيه: مخالفته كفر، وهذا إجماع لا يقع إلاّ بنص، إذ لا يقع هذا الإجماع إلا وله أدلّة في الكتاب والسنّة، إلاّ ما ذكره الإمام الشّافعي عن مسألة القراض (المضاربة) والصّحيح أنّها داخلة في عموم النّصوص المحكمة المبيحة أمر المشاركة والتّجارة.
ب- إجماع ظنّي: وهو قول الفقيه: لا أعلم فيه خلافًا، وهو إجماع استقرائيّ، وقد رفض الإمام أحمد بن حنبل إطلاق اسم الإجماع عليه وهو المقصود بقوله: من ادّعى الإجماع فقد كذب، لعلّ الناس اختلفوا. ا. هـ.
وهذا إجماع متوهّم، وأغلبه منقوض، إن لم يكن كلّه. بل قد يكون المشهور خلافه، إذن فأمر الإجماع الحقيقي لا يقوم إلاّ على دليل، فعاد الأمر إلى الأصل.
أمّا بالنّسبة للقياس: فالمشتهر عند الناّس أمور عدّة خاطئة، وهي:
أولًا: قولهم إن القياس دليل شرعي، وهذا خطأ، والصّحيح أنّ القياس المصيب يكشف لك الحكم الشّرعي الّذي غاب (بنصه) . والنّصّ يغيب عن الفقيه لسببين:
1 -لعدم معرفته له ابتداءً، كما غاب عن كثير من الصّحابة بعض الأحكام الشّرعية بنصوصها، وأمثلة ذلك كثيرة.
2 -لعدم معرفة المجتهد دلالة النّص، مع أنّه بين يديه، وذلك لسببين: إمّا لأمور تعود إلى نفس النّص، إذ أنّ دلالة النّصوص الشّرعية على الأحكام ليست على مرتبة واحدة، بل مراتب متعددة، أو لسبب يعود إلى نفس المجتهد، ككلال ذهنه، أو ضعفه في البحث والتّنقيب، لضعف بعض أدوات الاجتهاد لديه.
ثانيًا: أن القياس يتم به الإلزام، وهذا خطأ، والصّحيح أنّه لا إلزام بالقياس.
إذا تبيّن لك هذا علمت أنّ القياس لا يذهب إليه لعدم وجود النّصّ في الحقيقة، ولكن لعدم معرفة المجتهد لهذا الدّليل (النّص) .