فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 431

بعض قادة الحركات الإسلامية مما يجعل المرحلة القادمة تتهيأ لنصر هؤلاء المتكلمين الجدد. وذلك كما انتصر المتكلمون القدماء في كسب الساحة إلى صالحهم.

لقد فشل المعتزلة فشلا ذريعا، وخرجوا من المعركة مع أهل السنة بخفي حنين حتى أن تراثهم لم يبق منه إلا شيء يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، ولم يبق من كلماتهم وأفكارهم إلا التي حفظت كتب المقالات والفرق، ولكن أفكار المعتزلة وطروحاتهم ومناهجهم تطورت مع جماعة من المبتدعة، إذ تشربوا منها بعض نفثاتها وأصابوا من أفكارها كما أصابت الأفكار منهم فنشأ ما يسمى بالمتكلمين من الكلابية والأشاعرة والماتريدية، وبقليل من الجهد والتحالف مع الفكر الصوفي الغنوصي استطاع هؤلاء المتكلمون أن يحكموا سيطرتهم على النتاج الإسلامي والساحة السياسية والمنهجية في العالم الإسلامي.

وبصورة أوضح نقول صحيح أن عمرو بن عبيد والجهم بن صفوان والغزال وأبا هاشم الجبائي وأبا علي الجبائي وغيرهم من مشايخ المعتزلة لم يتقلدوا قيادة الأمة، ولكن مهدوا الطريق، وسهلوا المهمة لمن جاء بعدهم من أفراخ المعتزلة، حتى صار هؤلاء المخانيث (أي أفراخ المعتزلة من أشاعرة وماتريدية) هم قادة الفقه والفهم في تاريخ أمتنا، وبالتالي لنا أن نطلق صرخة التحذير مع عدم خوفنا من تقلد العلمانيين المائعين لقيادة الشباب المسلم والتيارات الإسلامية في البلاد، ولكن صرخة التحذير من تولي أفراخهم ومخانيثهم لهذه القيادة في الزمن الحاضر والمستقبل. (( الكلام عن الأشعرية والماتريدية فيه شيء من الشطط والغلو ) )

إننا نرى بعض أثار هذه الأفكار بدأ يغزو وبقوة وبطء الشباب المسلم، وبدأت مظاهره على صورة احتقار الخطاب الفقهي الصارم: هذا حلال، وهذا حرام، إلى دعوى جديدة وهي احترام وجهات النظر، والسماح بالتفكير إلى أبعد الحدود وفي المقدسات.

لقد بدأ بعض الشباب ينبز العقلية الفقهية والخطاب السلفي بالتخلف، وأنه خطاب غير حضاري، ولا يلائم هذا العصر ولا يوافقه. لكن علينا أن نتذكر نقطة مهمة ومهمة جدا وهي أن الخطاب الفقهي هو الذي يحفظ لهذا الدين جوهره لأنه يحمل في ثناياه - بل في كل ثنية فيه - وكل لفظ فيه حقيقة هذا الدين، وأن هذا الدين هو خطاب الرب لعبيده، وأن القصد من هذا الخطاب هو تحقيق الدين في العبد، بأن يصبح متدينا تدينا إسلاميا، وإن أقل ما يصنع هذا الخطاب البدعي المنحرف رجلا مفكرا تفكيرا إسلاميا، ويظهر هذا واضحا بين شخصيتين ومثلين، فلو نظرت إلى صورة نموذجية لهؤلاء المبتدعة الجدد لرأيت أن مجرد الحديث عن الالتزام العلمي بالإسلام داخل في حديث النكتة والطرافة، وإن رجلا من رجالات الفكر الإسلامي كالعقاد مثلا كان يعقد ندوته الأسبوعية وقت صلاة الجمعة، وهو مثال عليك أن تضربه بعشرة هذه الأيام لتعلم مقدار التزام هؤلاء المفكرين بالإسلام وتشريعاته.

الخطاب الحضاري المزعوم القصد منه إفراغ الإسلام من حقيقته وجوهره وأنه دين جاء للناس ليمتثلوا أمره، ويخضعوا له، الخطاب الحضاري المزعوم يصنع شخوصا تؤمن بالإسلام الحضاري على صورة أفكار ممتعة نتداولها في سهراتنا وندواتنا وأحاديثنا.

لقد بدأت بذرة الخبث تطل برأسها من احتقار الحديث عن الفقه وأحكامه، وعن المجال الذي يهم الإنسان الفطري وهو العمل، إلى الحديث عما لا فائدة فيه سوى كونه متعة مشروعة إذا كان بعد العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت