فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 431

قد يتساءل البعض عن كيفية الجمع بين قوله ?: [من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ... ] وبين ما نقلناه من أنه يبدأ بلسانه قبل يده؟ فالمفهوم من الحديث أنه يبدأ باليد ثم اللسان ثم القلب ... وجوابًا على ذلك نقول: قد مر بنا قول بن العربي -رحمه الله- من غريب الفقه في هذا الحديث أن رسول الله ? بدأ في البيان بالأخير في الفعل وهو تغيير المنكر باليد.

والذي يظهر لي -والله أعلم- أن الحديث قد بين مراتب التغيير لا مراحله، فأعلى المراتب التغيير باليد وأوسطها التغيير باللسان وآخرها التغيير بالقلب.

أما المراحل فتبدأ بالتغيير بالقلب ثم اللسان ثم اليد؛ فرجلٌ يستطيع أن يصل إلى أعلى مرتبة فهو يبدأ بكراهية المنكر بقلبه ثم ينصح بلسانه ثم يغير بيده، ورجلٌ لا يستطيع التغيير باليد فهو ينكر بقلبه ثم ينصح بلسانه ويقف عند ذلك، وثالث لا يستطيع حتى أن يغير بلسانه فهو يكتفي بالمرحلة الأولى فينكر بقلبه ويعتزل المنكر والله أعلم.

4 -قضية استئذان الحاكم:

يثير البعض قضية استئذان الحاكم في التغيير، بمعنى أنهم يقولون: نعم لآحاد الرعية أن يغيروا ولكن لا بد من إذن الحاكم في ذلك.

والحق أن النصوص التي أوردناها كما أنها تدل على أن التغيير باليد ليس خاصًا بالحكام فإنها أيضًا تدل على عدم اشتراط استئذانه في التغيير، وهذا الشرط تحكمٌ لا دليل عليه، فهو شرط باطل ولا شك، يقول الغزالي -رحمه الله-:

(( هذا الاشتراط فاسد؛ فإن الآيات والأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأى منكرًا فسكت عليه عصى، إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له ) ) (7) .

وقال: (( بل أفضل الدرجات كلمة حق عند سلطان جائر(8) ، كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه؟ )) (9) .

وقال: (( واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بمعروف، فإن كان الوالي راضيًا فذاك وإن كان ساخطًا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يُحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟ ) ) (10) .

5 -شبهة الإلقاء باليد إلى التهلكة:

يستدل بعض الناس بقوله ?: {ولاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكةِ} (البقرة: 195) ويقولون إن تغيير المنكر باليد في هذه الأيام يؤدي إلى إيذاء من يقومون به؛ من سجنهم واعتقالهم من جانب الحكومات الجائرة، وعليه فإن تغيير المنكر يعتبر إلقاء باليد إلى التهلكة.

وهذه شبهة قد كفانا الرد عليها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري ?:

[فعن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ?: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه ? يرد علينا ما قلنا: {وأَنفِقُوا في سَبيلِ الله ولاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهلُكةِ} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكَنا الغزو] (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت