الأولى: إزالة المنكر من غير تعرض لفاعله، وهي الدرجة الخامسة في ترتيب الغزالي لدرجات الحسبة، فهذه كما رأينا في كلامه جائزة للآحاد ولا تفتقر إلى إذن الإمام.
الثانية: وهي مباشرة الضرب باليد والرجل؛ أي ضرب فاعل المنكر ما لم يصل الأمر إلى شهر السلاح، وهي الدرجة السابعة في ترتيب الغزالي، فهذه أيضًا جائزة بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة
الثالثة: وهي شهر السلاح وجمع الأعوان وهي الدرجة الثامنة في ترتيب الغزالي، وهذه الدرجة هي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء فمنهم من أجازها لآحاد الرعية ومنهم من قصرها على الحكام وقد رجح الغزالي جوازها لآحاد الرعية كما رأينا.
قال الشيخ محمد أحمد الراشد في كتاب المنطلق تعقيبًا علىكلام الغزالي السابق:
(( وهذا نص يكتب بماء الذهب وعلى الدعاة أن يحفظوه عن ظهر قلب ) ) (36) .
فتمسك أخي بهذا الكلام الجيد ولا يغرنك قول متفلسفة العصر الذين يهاجمون صاحبه فيرمونه بأن كلامه هذا لم يستند فيه إلى آية واحدة أو حديث واحد ولو ضعيف أو عمل من أعمال الصحابة أو التابعين (37) .
4 -وقد تكلم ابن القيم في الطرق الحكمية عن تكسير آلات اللهو والصور، وهل يضمن من يكسر شيئًا من ذلك؟ فقال: (( وقال أصحاب الشافعي يضمن ما بينه وبين الحد المبطل للصورة، وما دون ذلك فغير مضمون لأنه مستحق الإزالة ) ) (38) .
وذلك يعني أن الرجل إذا أتلف الجزء المحرم فلا شيء عليه، فإن تعدى ذلك إلى إتلاف ما ليس بمحرم فإنه يضمن بقيمة ذلك.
5 -قال الإمام النووي -في شرح حديث أبي سعيد الذي في باب صلاة العيدين-: (( وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المنكر عليه واليًا، وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد ) ) (39) .
وقال في رياض الصالحين عند ذكره لحديث أم سلمة:[إنه يستعمل عليكم
أمراء ... إلخ]قال: (( معناه من كره بقلبه ولم يستطع إنكارًا بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي ) ) (40) .
وقد مر بنا من قبل في باب الأدلة من السُنة ما ذكره النووي في شرح مسلم
تعليقًا على هذا الحديث.
وقال في كتاب الأربعين النووية: (( وأعلى ثمرة الإيمان في باب النهي عن المنكر؛ أن ينهي بيده وإن قتل شهيدًا، قال الله تعالى: {يَا بُنيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالمَعَرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} لقمان: 17 ) ) (41) .
6 -قال ابن دقيق العيد: (( قالوا ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولاية، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين ) ) (42) .أ. هـ.
ويلاحظ في ذلك أنه أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لآحاد المسلمين ولم يستثن من درجاته شيئًا فدل ذلك على أن جميع الدرجات ثابتة لآحاد المسلمين بما فيها اليد، والله أعلم.