المعاصرة تشكلت في عصر أئمتنا ومشايخنا. (( قلت: هذا الكلام فيه نظر كبير وعدم فهم لأسباب الاختصار والشرح ) )
ولما سقطت صورة التقديس الباطلة من نفوس الشباب نحو الأئمة وغرست في نفوسهم مقولة: أنهم بشر، يخطئون ويصيبون، فصار من الأمر المعتاد، والمشاهد المألوفة أن تجد طالبا مبتدئا أتقن مسألة علمية وبحثها بحثا مقبولا أن يكتشف خطأ أبي حنيفة أو غيره من الأئمة، فيعلن بكل صراحة أن مذهب الحنفية أخطأ في هذه المسألة، وهي صورة لا تنكر إن قامت على سوق صحيحة، ولكن مذهبيتنا الجديدة صنعت قداسة جديدة لأئمة محدثين، وصار من الجرم الذي لا يغفر، والذنب الذي لا يتاب منه أن تقترب من حمى الشيخ، أو أن ترد عليه.
وقد جاهدت السلفية الأولى أن تعمم الفقه خارج دائرة المذاهب الأربعة فصار من العلم وسماته أن يذكر المرء رأي ابن حزم الظاهري أو رأي أهل الحديث كالبخاري ومسلم، ولكن عباقرتنا الجدد يأبون علينا أن نخرج عن لفظ الأربعة، فلا رأي يقبل ولا قول يحترم إلا إذا خرج من تحت عمائم الشيوخ"السلفيين"وعددهم أربعة، قد يتفقون على اثنين أو ثلاثة ثم يختلفون في الباقي. هذا ما كان من أمر الظن والتقليد، أما تحرير الإرادة فلها مجال آخر.
بنظرة يسيرة ندرك أن أمتنا فيها أمراض ذهنية وأمراض نفسية، والعلاقة بينهما علاقة تضامنية ومطردة، كل مرض يدفع المرض الآخر للارتقاء والتنمية، النفس تمد العقل بالهوى، والعقل يبرر هذا الهوى على صورة أفكار تحمل سمة العلم والبحث، ومنشؤهما: الظن والهوى {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ، وجذور الأمراض النفسية هي نفسها جذور الأمراض الفكرية، لكن الغريب أن سبب هذه الأمراض هو الدعوى أن الأمة بحاجة لمناهج جديدة وطرق جديدة لصد الخصوم الخارجيين. وتحت دعوى تطوير الخطاب يتم تطوير المضمون (أي حرف المضمون) ، فيتجدد الدين أي يصبح شيئا جديدا لا يعرفه الأوائل.
كيف نشأت دعوى تطوير الخطاب الديني؟:
نحن أمام تجربة سبقت في تمرير مفاهيم بدعية ضلالية، وقد قاومتها الأمة أحسن مقاومة ولكنها استطاعت لأسباب قد نأتي على ذكرها يوما أن تقتحم السور وتستقر في داخله كممثلة وداعية للإسلام الصافي.
مضمون الدين مرتبط بطريقة الخطاب ارتباطا حتميا، وما من محاولة يقوم بها أهل الأهواء لتطوير الخطاب إلا ويكون القصد (ويقع بالفعل) حرف الدين عن مفاهيمه الصحيحة، وما من محاولة لحرف الدين عن مفاهيمه الصحيحة إلا ويضطر أصحاب هذا الانحراف إلى استخدام ألفاظ جديدة وبنى للخطاب الديني، وخلال مسيرة التحريف يرفع أصحاب الأهواء راية التقدمية والعقلانية وينبزون خصومهم بألقاب الرجعية والحشوية والتزمت.
وعلى الرغم من أن أهل الأهواء في هذا الباب تتفاوت مراتبهم وتتباين درجاتهم إلا أن أغلبهم يريد أن ينشئ فقها جديدا، وتسيير بدعة جديدة بين المسلمين.
مراتبهم تتفاوت من نبز الخصوم (والخصوم هنا هم أهل الحديث والأثر) بالعقلية الفقهية، إلى درجة تسميتهم بالأرثوذكسية الإسلامية.
أصحاب الأهواء هؤلاء ليسوا بدعة نابتة في يومنا هذا، بل لهم امتداد زمني منذ (1200) سنة هجرية مضت ودعوى الإبداع هي دعوى خبيثة لا جذور لها، بل هي قائمة على الكذب والتضليل.