ويقول أبو قتادة:
[لماذا الجهاد]
لقد كتب الله في الأزل أن يخلقَ الإنسان خلقًا سويًّا في أحسن خِلْقَةٍ وتكوين، قال الله تعالى: {لقد خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويم} ، فأبدعه أيّما إبداع، ثمَّ جعله مناطَ التكليف وحَمْلِ الأمانة، قال تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلومًا جهولًا} . وليس الظلم والجهل بسبب حملها، ولكنّه بجهله في قيمة هذه الأمانة، وبظلمه لحقّها.
وأكرم الله هذا المخلوق بأن سخّر له كلّ شيءٍ خلقه من سموات وأرض، قال تعالى: {ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السموات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة} وقال تعالى:
{وسخّر لكم ما في السموات والأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون} ، فقد خلق الله كلَّ شيء خدمةً للإنسان، وجعل اللهُ الإنسانَ له وحده من أجل عبادته، قال تعالى: {وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلاّ ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين} ، وقد أخذ الله على الإنسان العهود والمواثيق أن لا يعبد إلاّ الله تعالى، قال ربّنا جلّ في عُلاه: {وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبلُ وكنّا ذرّيةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} .
وروى الإمامان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (يقالُ للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتديًا به؟ قال فيقول: نعم. فيقول: قد أردّت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلاّ أن تشرك بي. وقال ابن عبّاس -رضي الله عنه-ما: إنّ الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كلّ ذريّة ذرأها فنثرها بين يديه ثمّ كلّمهم قبلًا، قال تعالى {ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} ) . [صحيح من قول ابن عبّاس كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى] .
وقد قدّر الله تعالى أن ينقسم البشر في عبوديّتهم له إلى فريقين: فريقٍ أوفياء لهذه العبوديّة، وفريقٍ آخر سينكرونها ويتنكّبون عن صراطها، ولتذكير الناس بالميثاق أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، قال تعالى: {رسلًا مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا} .
وقال أبيّ بن كعب، في تفسير آية الميثاق السابقة: (يقول الله تعالى: فإنّي أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، إعلموا أنّه لا إله غيري ولا ربّ غيري ولا تشركوا بي شيئًا، وإنّي سأرسل إليكم رسلًا ليذكّروكم بعهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد إنّك ربّنا وإلهنا، لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له يومئذٍ بالطاعة، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنيّ والفقير وحسن الصورة ودون ذلك. فقال آدم: يا ربّ لو سوّيتَ بين عبادك. قال: إنّي أحببت أن أُشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم النور) . [رواه عبدالله في مسند أبيه وصحّحه الحاكم وهو كما قال] .
وقد جعل الله تعالى للطائع مستقرًّا هي جنّته، وللذين رفضوا مستقرًّا هي النار، قال تعالى: {للذين استجابوا لربّهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المهاد} [الرعد: 18] .
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (يقول الله تعالى لأهونِ أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردّت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلاّ أن تشرك بي) .
قال تعالى: أفمن يعلم أنّما أُنزِل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ممّا رزقناهم سرًّا وعلانيةً ويدرأون بالحسنة السيّئة أولئك لهم عقبى الدار، جنّات عدنٍ يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم