فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 431

فيها، وغيرها من الفنون المذهبة لحقيقة وجود المسلم على هذه الأرض، وبالتالي مقصد وجود الإنسان كذلك.

نعم سيعودون علينا بزمزمة الأوائل مدعين أن هذا مذهب الحشوية وهو مذهب العوام وهو طريقة الوعظ والإرشاد، وكما يسمونها طريقة الحكمة والموعظة (كما سماها الفلاسفة) وأما هم فهم أهل البرهان والمنطق والنظر الثاقب (كما يسميها الفلاسفة كذلك) .

(1) - حديث حسن من حديث العرباص بن سارية رض الله عنه.

(2) - انظر مقدمة كتابه"مفهوم النص".

نعود إلى ما بدأنا به من الإشارة إلى دور الآرائيين من فتح باب تطور الشريعة حين سموا البدع الحادثة من متصوفة ومتكلمين وفلاسفة أنها فعل مجيد رائع ممدوح، وذلك حين أرادوا أن يبرروا تأويل الشريعة وتغيير مفاهيمها لتساير الوقت والزمن، فجاء العلمانيون وبنوا على هذه المقدمة النتيجة التي يسعون إليها حين توجهوا إلى التراث (كما يسمونه) ليدرسوه حسب معطيات هذا العصر ونتائج مكتشفاته من علوم اجتماعية ولسانية وإنسانية ليخرجوا بنتائجهم التي أوقفوا أنفسهم عليها يبدونها حينا ويرطنون بها حينا آخر.

إن هذه الشريعة هي دين الله تعالى أنزلها للبشر ليحققوا العبودية له، بتصديق خبرها وامتثال أمرها وإن أعظم الناس فهما لها، وإدراكا لمرادها هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن كل خير في اتباعهم وكل شر في مخالفتهم وتنكب طريقهم.

علينا أن لا نبقى نردد أن ما يمدحونه من ثورات المعتزلة الفكرية - وتجديدية الفلاسفة - كالكندي والفارابي وابن سينا وإشراقية الصوفية وهي ثورات على الإسلام، وليست منه ولا تلتقي معه لا في الجوهر ولا في الأسلوب.

قال اليافعي في"نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات العالية": لما سعي بالصوفية إلى بعض الخلفاء، أمر بضرب رقابهم فأما الجنيد فتستر بالفقه. [ص 422] .

قال الشافعي- رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. (1) ظاهرة اختراق الوضع البشري وخيالاتهم للوحي الرباني ممتدة منذ القدم، وقد نجحت مع الأديان الأولى، ولم يكن الإسلام خارج هذه الدائرة، فإنه منذ بدايته بدأت هذه المحاولات، وترتيب ظاهرة الاختراق يبدأ بالرفض والتنفير، حيث يكتشف الأوائل أصل النحلة الوافدة، وآليتها، وأبعادها الشركية والوثنية، وبالتالي يعلن العلماء للمسلمين أن هذه النحلة وهذا الدين هو دين شركي وثني فلا يجوز للمسلم أن يقترب منه أو يدور حوله، بل الواجب أن يفر وينفر منه، وفي المرحلة التالية يبدأ البعض بالنظر إلى الجوانب التي تتفق هذه النحلة في بعض آليتها وأعمالها مع الإسلام، فيبدأ بكشف جوانب اللقاء، ويفخم الأحاديث والآثار التي تشير إلى رياضات الطريقة وأعمالها وفرائضها حتى إذا وجد لهذه النحلة الجديدة القبول عن طريق العرض الجزئي لها ومدحه وتقريره، يصبح التعاطي معها جزءا من الإسلام والانتساب إليها لا يغض أو يخدش في الانتساب إلى الإسلام، ولنا على ذلك مثلان هما: نحلة التصوف ونحلة الفلسفة.

(1) - صون المنطق والكلام للسيوطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت