فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 431

والتعظيم، وتطلق عليهم أوصاف العقلانية والتجديد، وأنهم كانوا الأقدر على فهم الإسلام وتطويره ليوافق ويحاكي الثقافات الوافدة.

هل يعجز المرء أن يرى قصور المدح الشامخة على شخصية مثل الفارابي والكندي وابن سينا، وجمهور الفلاسفة المشائين في العصور الإسلامية السالفة؟.

هل يفوت المرء رؤية الإشادة العجيبة بكل من حاول أن يذلل الشريعة للوافد الجديد من الثقافات الوضعية كابن رشد الحفيد كما في كتابه"فصل المقال"؟

الواضح من كل هذا أنهم يريدون أن يجعلوا الشريعة مجالا للحوار الفاتح أبوابها لتخرج لنا أحكاما جديدة تناقض ما عرفه الأوائل.

لقد وقف السلف الصالح موقفا صلبا أمام الغير، وحذروا منه أشد التحذير، حذروا من موضوعه وحذروا من أسلوبه، لأنهم أيقنوا أنه ما من خير إلا في هذا الدين بمصدريه الكتاب والسنة، وليس هناك من معرفة - مما تسمى معرفة إنسانية حسب تعبيراتهم - إلا في هذا الدين الكفاية لها، لكنها قد لا تجد لها رجالا، وإنه لمنتهى الشقاء السماح للعقل المسلم أن يفتح بابه للغير طلبا للهدى والرشد، ولقد حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ذلك حين غضب من عمر -رضي الله عنه- وقد رأى في يده ورقات من التوراة وقال: (( أمتهوكون أنتم؟، والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ) )، ولم يكن إعراض السلف عن هذه العلوم تخلفا ولا رجعية، ولا من قصور في الفهم، ولكن لشدة عقلهم وإدراكهم أن شرها أكثر من خيرها، ولو كان فيها الصلاح والهدى لنفعت أصحابها، ولذلك فإن هذا الذي يسميه البوطي والغنوشي وطارق البشري ومحمد عمارة وفلول الهزيمة، وجماعة التصفيق: تقدما وحضارة؛ إنما هو منتهى الهزيمة، وقمة الانحدار والرجعية.

إن علم الكلام الذي مدحه هؤلاء، وإن الفلسفة الإسلامية المزعومة هي التي عطلت العقل المسلم عن الإبداع، وفرغت نفسيته من كل احتمالات النهوض والتقدم.

نعم لقد أوجد علماء الكلام وكذا الفلاسفة المشائين الأرضية الفكرية للانحلال الديني والذي أفرز آثاره التشريعية والاجتماعية والسياسية وبالتالي الهزيمة العسكرية، وإذ الإقتصار على الوحيين - الكتاب والسنة - في صياغة الإنسان المسلم هي التي توجد في كل عصر شخصية المسلم الصحابي المتجددة في كل وقت وحين، والتي تملك القدرة على صياغة الحياة على أسس جديدة، ولا ترى احتمال الترقيع والتلفيق، والذي يسميه بعضهم استلهاما (كما سماه طه جابر العلواني في كتابه"الأزمة الفكرية المعاصرة") ، لأن هذا التلفيق مبدؤه الشعور بالنقص من كمال (النظام المعرفي) المعطى من الكتاب والسنة، وإنه لن يصيبنا الخجل من تمسكنا بكمال مصدرنا واقتصارنا عليه حتى لو أطلق هؤلاء الخصوم على هذا التمسك تخلفا أو انتحارا.

لقد وضع الأستاذ سيد قطب يده على مفتاح شخصية الصحابي الأول وهداه الله إلى إدراك سرها كما ذكر ذلك في كتابه"معالم في الطريق"، فصل"جيل قرآني فريد".

يجب علينا أن ندرك أن كثيرا من مجالات الإبداع الممدوحة من قبل هذه التيارات هي قمة البدعة والانحطاط والذم، فليس من إبداع الإسلام العمارة الإسلامية، إذ أن هذه العمارة والتي يفتخر بها هؤلاء الآرائيون هي قمة الانحطاط والرذيلة، فهذا الذي يأتي ليمدح لنا مثلا قصر الحمراء ليدلل على إبداع العقل المسلم وحضارته هو في الحقيقة يقدم الدليل على أن عصور الانحطاط أو بدايتها هي قمة الإبداع لهذا الدين الرباني، فليس من الإسلام هذا البذخ وهذا البناء الباذخ، وليس من الإسلام ما يسمى بالفنون الإسلامية مثل فن الموسيقى، وفن العمارة الباذخة والتطاول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت