السبب واضحٌ جليّ، لأن الواقع كشف أن هؤلاء القادة تُجّار كلامٍ، وأبواقُ صراخ، حتى إذا جاء دَوْر النّزال والتّجربة تعرّت حقائقهم، وكُشِف أمرهم.
وإذا كان الجهاد يعرّ فنا بالرّجال، إذ هو من أدقّ الموازين في هذا الباب، فإنّه كذلك الفرقان الذي يقسّم النّاس إلى أقسامها الحقيقيّة، فبه تتميّز الصّفوف، فيتبيّن فسطاط الإيمان، كما يتبيّن فسطاط الكفر والنّفاق، فيؤوب النّاس إلى منازلهم التي يرتضونها لأنفسهم، ومعلوم أنّ الفتن والابتلاءات تكشف النّاس، وتخرج مخبوء نجواهم، إذ صدق من قال:"إنّ الحرب حصاد المنافقين"، وبها كذلك يتّخذ الله الشّهداء، والشّهادة باب جليلٌ لا يفتحه الله تعالى إلاّ لأوليائه المقرّبين.
من قرأ السّيرة النّبويّة قراءة متفحّصة، يرى فيها هذا الذي قلناه، إذ أنّه ما من معركةٍ خاضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلاّ وأظهرت رجالًا في مرتبة الولاية والقرب، كما وأظهرت رجالًا في مقام النّفاق والخِزي، فالجهاد هو الذي يكشف حقائق المخادعين والمتخاذلين، لأنّ بذل النّفوس هيّنة في سبيل هذا الدين لا يقوى عليه إلاّ المرتبط بهذا الدين ارتباطًا حقيقيًّا، ومن تمثّلت له الدّار الآخرة بين عينيه، يراقبها أنّى توجّه أو قال أو فعل، كما مدح الله تعالى الصّادقين من عباده بقوله: {إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدّار} وهي في سورة ص، ذلك بعد أن تكلّم الله تعالى عن داود وسليمان وأيّوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصّلاة والسّلام، وذكر سبحانه وتعالى مِنَنه عليهم، جعل سبحانه وتعالى علّة هذه المِنَن، وسبب إغداقها أنّهم أخلصوا أنفسهم للآخرة، حبًّا وعملًا، قال مالك بن دينار:"نزعنا من قلوبهم حبّ الدّنيا وذكرها وأخلصناهم بحبّ الآخرة وذكرها"، إذ أنّ هذا الدّين لا يرفع الله به إلاّ من آمن به حقّ الإيمان، وصبر على ما يلقاه من الفتن والأهوال، ثمّ تيقّن على موعود الله تعالى وأنّه آت لا ريب فيه، كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمّة يهدون بأ مرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} . قال ابن تيميّة - رحمه الله تعالى - تفسيرًا لهذه الآية:"بالصّبر واليقين تنال الإمامة".
ففي غزوة الأحزاب حيث جمع النّاس حشودهم، وتكاتفوا يدًا واحدةً على بلدة صغيرة هي طيبة مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومهاجره، واضطربت النّفوس، وزُلزِلت، ورأى النّاس الموت بأمّ أعينهم [الآيات من 9 - 27 من سورة الأحزاب] . قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا} الأحزاب 9.
أمّا الجنود فهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذٍ، وإنّما عذّب الله الكافرين بالرّيح، ففي الصّحيحين عن ابن عبّاس -رضي الله عنه-ما عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (( نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور ) ). وأمّا تفاصيل حركة رياح الصّبا فقد روى ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس -رضي الله عنه-ما أنّه قال:"قالت الجنوب (أي ريح الجنوب) للشّمال (أي ريح الشّمال) ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري بالليل، وكانت الرّيح التي أرسلت عليهم الصّبا".
ثمّ فصّل الله تعالى أمر المعركة وما جرى فيها، فقال جلّ وتعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنونا} الأحزاب 10.
إنّها الفتنة، إنّه الابتلاء والتّمحيص، حيث تظهر القلوب ما بها لشدّة الضّغط عليها، {زاغت الأبصار} : أي تحرّكت عن مكانها لشدّة الخوف والرّعب، و {بلغت القلوب الحناجر} : وكذا زالت