وحينما يكون الأمر متعلقًا بالفساد والبغي في الأرض، فإن عين الرحمة هي استعمال القوة لاستئصال هذا الفساد، والله ? يقول في شأن الزاني والزانية:
{وَلاَ تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فيِ دِينَ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر} (النور: 2)
أليست هذه الآية دليلًا على أن الرأفة وإن كانت مطلوبة في موضع فإنها مرفوضة في موضع آخر؟ ولكل مقام مقال -كما يقولون- ألا فليتق الله أقوام يبترون النصوص الإسلامية من أصولها ويفهمونها على ضوء ما يرضي أهل الباطل وليتقوا يومًا يرجعون فيه إلى الله فيحاسبهم ? على الصغير والكبير ولا ينفعهم حينئذٍ هؤلاء الذين كانوا يرضونهم في الدنيا.
يثير البعض كلامًا للقرطبي -رحمه الله- قال فيه: (( قال العلماء الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على الضعفاء يعني عوام الناس ) ) (22) ويستدلون به على أنه لا يجوز لآحاد الرعية تغيير المنكر باليد، ونحن نقول لهم:
أولًا: إنكم لم تفهموا ما نقله القرطبي -رحمه الله- حق الفهم لأنه استعمل حرف الجر (على) ونحن نستعمل حرف (اللام) بمعنى أنه يقصد أن الذين عليهم وجوبًا عينيًا تغيير المنكر بأيديهم هم الأمراء أما العامة فليس عليهم من الوجوب مثل ما على الحكام، وكون الواجب على العامة هو التغيير بالقلب لا يعني عدم جواز التغيير باليد واللسان، ونحن لم نقل أكثر من أن الفرد من الرعية له جوازًا تغيير المنكر بيده، وإنما يتعين ذلك عليه في حالات خاصة ... مثل أن يرى رجلًا يزني بامرأة ولا يراه أحد غيره، ويكون قادرًا على التغيير باليد فها هنا يتعين عليه التغيير.
ثانيًا: إن هذا الفهم الذي فهمتموه مخالف لكلام للقرطبي قبل هذا القول بقليل يقول فيه: (( أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك ) ) (23) . فقد جعل التغيير بكل الوسائل واجبًا على الحاكم وغيره لكنه شرط لذلك القدرة.
ثالثًا: إن هذا الفهم مخالف لكلام للقرطبي لاحق بهذا الكلام يقول فيه: (( ولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرًا عليه ولا راضيًا به ) ) (24) .
رابعًا: إننا لو أخذنا بما فهموه من ظاهر كلام القرطبي -رحمه الله- لما جاز للعامة من غير العلماء أن يغيروا المنكر بألسنتهم أيضًا، ولا يكون لهم إلا الإنكار بالقلب، وهذا الفهم لا يمكن قبوله لمخالفته الصريحة لقوله ?: [الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم] (25) .
فهذا الحديث يدل فيما يدل على أن العامة يقومون بنصح الأئمة الأمراء،
وماذا يكون نصحهم إن لم يكن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر باللسان.
وإن هذا الفهم مخالف لقوله ?: [سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله] (26) .
فانظر إليه قال (ورجل) فدل ذلك على أنه أي رجل من عامة المسلمين، والمقصود أنهم لو قالوا بهذا الفهم الظاهر لكلام القرطبي من أن التغيير باليد للحكام فقط، للزمهم بقية ما في