فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 431

2 -وأما قوله ?: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ} :

فنحن نرد على فهمهم له بأنهم قد أغفلوا بقية الآية وهي قوله تعالى: {إِلاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ} فمن ظلم فإنه لا يجادل بالتي هي أحسن، بل له شأن آخر. هذا وقد قال فريق من العلماء إن هذه الآية منسوخة بآيات القتال، كما ذكر أبو بكر بن العربي عند تفسيرها وذهب هو -رحمه الله- إلى أنها ليست منسوخة قال:

(( وإنما هي مخصوصة؛ لأن النبي ? بُعث باللسان يُقاتل به في الله، ثم أمره الله بالسيف واللسان حتى قامت الحجة على الخلق لله، وتبين العناد وبلغت القدرة غايتها عشرة أعوام متصلة، فمن قدر عليه قتل ومن امتنع بقي الجدال في حقه ) ) (17) ويزيد المعنى وضوحًا ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي من أقوال العلماء في المقصود بالذين ظلموا حيث قال: (( فيه أربعة أقوال: الأول أهل الحرب، الثاني مانعو الجزية، الثالث من بقي على المعاندة بعد ظهور الحجة، الرابع الذين ظلموا في جدالهم بأن خلطوا في إبطالهم وهذه الأقوال كلها صحيحة مرادة ) ) (18) .

وبعد ...

فقد تبين أن الجدال بالتي هي أحسن إنما هو لغير هذه الأصناف الأربعة وأشباهها، فمن لا يجدي معهم الجدال الحسن فينصحون بغيره، كما قال شوقي:

والشر إن تلقه بالخير ضقت به ... ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم

3 -وأما قوله تعالى: {ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ} فإن كان المفهوم منها أن الدعوة لا بد أن تكون باللين والرفق، فقد بينا أننا نُقِر بهذا ولا يمكن أن نجحده، ولكن الكلام فيما لو لم يجدِ النصح والإرشاد، كيف يكون العمل؟ وبينا لك من قبل بالأدلة والبراهين ما يجب أن نقوم به إذا لم يجدِ النصح والإرشاد بما لا نرى داعيًا لإعادته وتكراره.

ومن ناحية أخرى فإننا نريد أن نوضح أن الناس يفهمون من معنى الحكمة أنها مجرد اللين والرفق، مع أنها أعم من ذلك وأشمل، فإن الحكمة كما يقول القرطبي: (( مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل ... وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ) ) (19) .

وقال ابن القيم -رحمه الله- في تعريف الحكمة: (( فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ) ) (20) ومعنى هذا أنها الشِدة حينما يتطلب الأمر الشدة، واللين حينما يتطلب الأمر اللين.

فهل رأيت معنى الحكمة؟ وأنها اتباع الشرع المبين في كتاب الله وسنة رسوله، وأن ندور مع الشرع الحنيف حيث دار، فلا نقحم أهواءنا في ذلك فنجعلها حَكمًا على كتاب الله وسنة رسوله بحجة الحكمة المزعومة وما أصدق القائل:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع الندى

وكلمة أخيرة نود أن نقولها في هذا الموضوع وهي أنه من الخطورة بمكان أن نأخذ ببعض الجوانب من المفاهيم الإسلامية ونضخمها ونبرز شأنها ونغفل جوانب لها أهميتها أيضًا. فالإسلام كما هو دين الرفق هو أيضًا دين القوة، والرسول ? هو نبي الرحمة ونبي الملحمة (21) ، فهو نبي الرحمة حين يكون المطلوب هو الرحمة، وهو المقاتل حين يحتاج الأمر للقتال واستخدام القوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت