ومن فعل ذلك فقد لبّس الحق بالباطل والنور بالظلام بل هو-ورب الكعبة- على خطر عظيم، لأن لازم ذلك أنّ ما كان ينتقده الخوارج على الصحابة والخلفاء الرّاشدين هو من جنس شرك هؤلاء الحكام الكافرين وفي هذا تكفير للصحابة أجمعين في هذا الزمان.
ولا شك أنّ من كفّرهم فإنه هو الكافر، لأن الصحابة قد -رضي الله عنه-م ورضوا عنه بنص القرآن.
ورميهم بشيء من شرك هؤلاء الحكام وكفرهم تكذيب لصريح القرآن أو وصفٌ لله بأنه يرضى عن القوم الكافرين، وذلك كلّه كفر.
فليحذر امرئ على دينه من هذه المهالك وليتّق الله من رمي الصحابة بالكفر والشرك ترقيعًا للطواغيت.
الشبهة الثانية
أنهم يقولون لا إله إلا الله:
قالوا: كيف تُكفِّرون هؤلاء العساكر أو أولئك المخابرات والأمن الوقائي ونحوهم من أنصار القوانين، ومن ثم لا تُسلِّمون عليهم وتعاملونهم معاملة الكفار مع أنّهم يشهدون أن لا إله إلا الله.
وقد أنكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أُسامة حكمه بالكفر على الرجل الذي تلفّظ بـ لا إله إلا الله ومن ثَم قتله، وقال له:"كيف قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟".
والله جل ذكره يقول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} .
وكذلك حديث"من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
وحديث"البطاقة"الذي فيه أنّ رجلًا يأتي يوم القيامة بتسع وتسعين سجلاّ من الذنوب حتى يظن أنه هالك توزن هذه السجلات ببطاقة عليها لا إله إلا الله فترجح البطاقة.
وكذلك الحديث المروي عن حذيفة مرفوعًا قال:"يُسرى على كتاب الله في ليلة فلا تبقى في الأرض منه آية وتبقى فئام من الناس ما يدرون ما صلاة وما صدقة وما نُسُك يقولون هذه الكلمة (لا إله إلا الله) أدركنا آباءنا عليها فنحن نقولها"قال صِلَة:"فما تنفعهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة وما صدقة وما نُسُك؟"قال حذيفة:"تنجيهم من النار".
ونحو ذلك من الأحاديث .
والجواب من وجوه عدّة:
أولًا: قد قال تعالى في كتابه {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} .
فبيّن الله عزّ وجلّ بأنه ابتلى عباده بأن جعل في الشريعة التي أنزلها إليهم آيات محكمات وقواعد راسيات وأوامر واضحات بيِّنات عليها مدار الشريعة وإليها يُردّ الأمر عند النزاع والخلاف
وهناك أُخر متشابهات أو ظنِّية الدلالة تحتمل في الأذهان أكثر من معنى، وبيّن أنّ أهل الزّيغ والضلال هم الذين يتّبعون المتشابه ويذرون المحكم ابتغاء تأويله عن مراد الله الذي أنزله عليه للتلبيس وابتغاء الفتنة بين عباد الله.