فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 431

وهذه قطوف من الكتاب القيم لأبي قتادة الجهاد والاجتهاد:

وفي كتاب الجهاد والاجتهاد:

الأسر والحبس والابتلاء

(مذاهب في التغيير)

هل السجن مرحلة ضرورية للداعي؟ وهل هي مرتبة ممدوحة، الداخل فيها خير من غيره بدخول هذه المرحلة؟.

مما لا شك فيه أن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر والابتلاءات، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت. ذلك لأن الداعي يأتي للناس بالجديد من الأمر، ويدعوهم لترك عوائدهم وإيلافهم، بل ويسفه ما هم عليه من نهج وطريق، وهذا أمر كبير على الناس، لأنه يطعن في مسلماتهم وعظائم عقائدهم، ولهذا فإن الداعي يجابه بقوة وعنف، وبسبب هذا الابتلاء تتميز الصفوف، ويفيء الناس إلى مقاماتهم الحقيقية دون لبس أو تزوير، فالابتلاء يعرف مقامات الناس، والبقاء للصابر، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة. قال ابن تيمية - رحمه الله - في تفسيرها: بالصبر واليقين تنال الإمامة. ا. هـ.

فالصبر يمنع التهور، واليقين يمنع اليأس والقنوط، فالداعي له قوتان تحصنانه من الخطأ، قوة تدفعه وهي اليقين، وقوة تريثه وهي الصبر، يقين على الموعود القادم، وصبر على البلاء الواقع، والبلاء والامتحان ظاهرة في كل الدعوات، و هي تكتنف المتمردين، سواء كان تمردهم بحق أم بباطل، فليس الأنبياء أو أتباع الأنبياء هم فقط من لقي العنت في سبيل دعوته، بل كل من أتى للناس بجديد، ولكن ما يميز أهل الحق من غيرهم في هذا الباب هو أن تعب الأنبياء وأتباعهم هو في سبيل الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} ، وأما غيرهم فتعبهم وبال عليهم كما قال تعالى: {عاملة ناصبة تصلى نارا حامية} ، وكما قال تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} الأنفال، فالابتلاء ظاهرة في مسيرة الدعوات لأن وجود الأعداء من مظاهر نصرة الله لأوليائه، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} الأنعام، ومظهر من مظاهر اسم الله تعالى: المنتقم. واختلاف الناس سنة كونية، وكذلك تدافعهم ليتحقق لكل واحد أهدافه التي يسعى إليها، والمعادلة بين الطرفين بحصول النصر والهزيمة مبسوطة في القرآن، وما من أمر إلهي إلا وهو عامل من عو امل النصر، وما من مخالفة للشريعة إلا عامل من عوامل الهزيمة.

والسجن إحدى مظاهر الابتلاء، وصورة من صور العذاب التي يهدد بما كل طرف الآخر، كما قال فرعون مهددا موسى عليه السلام: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} الشعراء. وقد كان إحدى اختيارات قريش في عذابها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الأنفال. لأن السجن صورة من صور العذاب النفسي والبدني، فهو تقييد لإرادة الإنسان، ومانع له من ممارسة مدنيته وإنسانيته، ثم هو بالنسبة للداعي أشق وأتعب لأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت