فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 431

في السيرة النبوة الأهداف قبل الوسائل، ولمَّا كانت أهداف الإسلام لها تعلُّق بعالم الغيب أي برضى الله تعالى كانت تقديرات الأمور تختلف تمام الاختلاف مع تقديرات وأهداف أصحاب الكتابات العسكرية للحركات الثورية في العالم.

أهل الإسلام هدفهم الأعظم ومرادهم الأكمل تحقيق التوحيد في الأرض، فكل ما يقترب من شأن هذا الهدف إبطالًا أو تأجيلًا أو تبديلًا فإنه مردودٌ بغضِّ النظر عن بقية المصالح التي نظن أننا سنحصِّلها بعد ذلك.

ولذلك فكلُّ مساومة حول هذا الهدف لتحقيق بعض المصالح مساومةٌ مرفوضة، وكل محاولةٍ لتأجيل البحث في هذا المقصد لا وجود له في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته، لكنَّ هذه المساومة وهذا التأجيل لهما الوجود الأكبر فيمن يرى الأمر سياسةً مطلقةً ومصالح فضفاضة لأنه سمع أن جمع الأنصار (مطلقًا) هو إحدى مبادئ تحقيق الأهداف وحرب الأنصار.

إن الوصول إلى القبور مع المحافظة على هذا المبدأ الأصيل خير من الوصول إلى المساومة حوله وتأجيل البحث فيه، فإقامة الدولة الإسلامية لخدمة التوحيد ومن أجله ولصيانته وللحفاظ عليه، وليس العكس، فالإسلام ليس وسيلة لهدف، وإرضاء الله تعالى ليس وسيلة لهدف، بل كل وسائل البشر من أجل تحقيق الإسلام في أنفسنا، ونيل رضاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.

فالتأجيل والمساومة تكون في غير التوحيد وصيانته، أما التأجيل والتأويل فيما يخص التوحيد وأهله فهو شأن المتضلعين بكتب (سبيل المجرمين) .

بناء دولة الإسلام حكم شرعي بمعنى أنّه واجب شرعي دليله أمر الله تعالى في كتابه وفي سنّة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ولمّا أسقطت دولة الخلافة وانفرط عقد الأمّة وبدت في الأفق معالم عقديّة فاسدة تتسارع في اقتناص الدول المنفرطة من دولة الخلافة، فقد دخلت الأحزاب الشيوعيّة إلى بلادنا سنة 1917 م أي في السنة ذاتها التي انتصر فيها لينين ضدّ خصومه وبنى الدولة الشيوعية الأولى في روسيا، وبعدها بدأت الأحزاب اليمينيّة واليساريّة على مختلف ألوانها من حمراء وبيضاء وزرقاء، من بعثيّة وقوميّة وعلمانيّة وغير ذلك، وكان من جملة هذه الأحزاب المتصارعة لحصول الغلبة على هذه الدولة الأحزاب والتنظيمات الإسلاميّة، وكان في هذه الأحزاب الكثير من العمومات التي لم تحدّد، وكانت هذه العمومات سببًا لعدم اهتداء الكثير منها إلى الوقوف الموقف الشرعي الصحيح مع الأحداث المتسارعة. وكان من جملة هذه المعلومات المعوّقة من تحصيل الغلبة الاختلاف حول الطريقة المثلى في إقامة الدولة الإسلاميّة، وكان السؤال: ما هو الطريق الشرعي لإحياء دولة الإسلام؟ وقد أخذ هذا السؤال شوطًا بعيدًا من الوقت والجهد للوصول إلى الجواب الصحيح، أو لتحديد معالمه.

وللأسف (وأقولها حسيرًا) ما زال بعض الناس يظنُّ أن هذه الطريقة تحتاج إلى مزيد من الكشف والدراسة، أي أنه مازال الكثير من أهل الدين يجمع الناس ليحدّثهم عن الطريقة المُثلى في إسقاط الطواغيت، أو الطريقة المثلى لإحياء دولة الخلافة.

في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب وخصوصًا اليساريّة تشدّ الخطى وتسعى بتقدّم ناجح نحو أهدافها في بناء دولهم ومجتمعاتهم كان المسلمون في تنظيماتهم يتناظرون فيما بينهم على الطريقة النبويّة في إقامة دولة الإسلام، وهو أمر مشين معيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت