فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 431

المتعمّقة للصّوفية كما هي عند أصحابها، لأن الصّوفيّة أنفسهم يرفضون هذا التّقسيم، ويتعاملون مع الجميع على أنّهم طائفة واحدة لا طوائف على اختلاف مشاربهم ومشايخهم وطرقهم. وبدراسة متأنِّية نستطيع أن نجزم أن الصّوفيّة هي تلك التّربة النّجسة الّتي نمت فيها ومنها الكثير من أفكار الضلال والانحراف كالشّيعة الرّوافض، وأهل الكلام الزّنادقة وغيرهما. وقد يقع بعض أهل الخير كذلك في خطأ آخر حين يظنّ أنّ الصّوفي هو ذلك الرجل الذي ينتسب إلى صوفيّة، أو مشيخة صوفية، وهذا حق، لكنّ الصّوفية تعدّت كونها ابتداعًا في العبادات والنّسك، إلى كونها طريقة حياة ومنهج تفكير، وأسلوب عمل. ولذلك قد يقع بعض من يكثر حديثه عن بدع الصّوفية وانحرافاتهم في منهج التّفكير الصّوفي في فهمه للحركة والحياة.

الصّوفية طريقة منحرفة، أفرزت في حياة المسلم طريقة حياة، ومنهج حركة، علاوة على أنها دين يحمل عقيدة تصورية مبناها على وحدة الوجود، وطريقة عبادة، فيها من بدع الخلوة والجوع والسّهر، وإنّ كثيرًا من الفضلاء تأثّروا بالمنهج الصّوفي في التّغيير والحركة، ولعلّ أوضح عبارة أطلقت في هذا الزّمان عبّرت عن هذا المنهج الصّوفيّ هي الكلمة الّتي صارت شعارًا لبعض التّجمعات والتّنظيمات الإسلامية، هذه العبارة هي:"أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على أرضكم". وكذلك مثل هذه الدعوة أصحاب دعوة التصفية والتربية، بالمفهوم التّربوي الّذي يطرحه أتباع هذه الشّعارات، وقد استساغ بعضهم أن يسمّي بعض الجماعات أو الشّخصيات بأنّه سلفيّ العقيدة، إخوانيّ الطريقة، وهو لفظ شاع وانتشر للدّلالة على بعضهم بأنّه لم يتلبّس بالسّلفية الشّاملة، فإنّنا نستطيع بكلّ جرأة أن نسمي أصحاب هذا الشّعار:"أقيموا ... تقم ..."وهم أصحاب التّغيير عن طريق التصفية والتّربية أنّهم: سلفيّة العقيدة، صوفيّة المنهج.

هذا مع تنبيهنا الضّروري على أنّ هذه الثّنائية المتناقضة لا وجود لها على أرض الواقع، إذ لا يمكن للرّجل أن يكون سلفيًّا في عقيدته كما يزعمون وإخوانيّا في طريقته ومنهجه، كما أنّه لا يمكن كذلك أن يكون سلفيًا في عقيدته وصوفيّا في طريقته ومنهجه، والسبب الّذي يدعو هؤلاء القوم إلى هذا التقسيم الخرافيّ، هو أنهم لم يفهموا من السّلفية إلا شيئًا جزئيًا في البناء الشّامل للمنهج السّلفيّ، مثل ظنّهم أن السّلفي هو من يعتقد بمنهج الأسماء والصِّفات الإلهية على طريقة الأوائل من أئمّتنا، فظنُّهم هذا يدعوهم أن يقولوا عن فلان أنّه سلفيّ في عقيدته (عقيدة الأسماء والصَّفات) وإخوانيّ الطّريقة والمنهج، مع أن السّلفيّ لم يكن يومًا من الأيام شعاره الّذي يتميّز به عن غيره موضوع عقيدة الأسماء والصّفات فقط، بل السّلفي هو ذلك الشّخص الّذي يحمل المنهج الشّامل في عقيدة التّوحيد بشقّيها: توحيد الشّرع وتوحيد القدر، ويحمل المنهج الشّامل في توحيد الإتّباع، كما بسط هذا في مواطن عديدة من كلام الأئمة الهداة كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره. لكن لا بأس من استعمال طريقة هؤلاء المحرّفة في هذا التّقسيم الثّنائي: سلفيّ العقيدة، صوفي المنهج، حين لا يكون أمامنا إلا أن نسلك الصّعب من الأفكار مع هذا الغثاء الذي يملأ الفضاء ممّن تغرّهم الشّعارات، وتستهويهم لعبة الألفاظ والعبارات.

(1) - ذكره ابن الجوزي في صفة الصّفوة وفي تلبيس إبليس.

الصّوفيّة في تاريخها مع المسلمين بنت نفسها على بعض الأركان المنحرفة من العقائد الزّائغة التي انتسبت للإسلام زورًا وبهتانًا، وأهمّ هذه الأركان المنحرفة الّتي استغلّتها الصّوفية عقيدة الإرجاء، وهي مناقضة لتوحيد الشّرع، وعقيدة الجبر وهي مناقضة لتوحيد القدر، وخلاصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت