فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 431

وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على الله؛ كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة. وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب ?

إن الله سبحانه قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة؛ ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء:

(فمنهم ظالم لنفسه. ومنهم مقتصد. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) . .

فالفريق الأول - ولعله ذكر أولًا لأنه الأكثر عددًا - (ظالم لنفسه) تربى سيئاته في العمل على حسناته. والفريق الثاني وسط (مقتصد) تتعادل سيئاته وحسناته. والفريق الثالث (سابق بالخيرات بإذن الله) ، تربى حسناته على سيئاته. . ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعًا. فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية. على تفاوت في الدرجات.

ولا ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه الأمة باصطفائها، وكرم الله سبحانه في جزائها. فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا، وهي النهاية التي تنتهي إليها هذه الأمة جيمعًا - بفضل الله - ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من جزاء مقدر في علم الله.

نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره الله لهذه الأمة بصنوفها الثلاثة من حسن الجزاء:

(ذلك هو الفضل الكبير. جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. إن ربنا لغفور شكور. الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) . .

إن المشهد يتكشف عن نعيم مادي ملموس، ونعيم نفسي محسوس. فهم (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) . . وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي، الذي يلبي بعض رغائب النفوس. وبجانبه ذلك الرضا وذلك الأمن وذلك الاطمئنان: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) . . والدنيا بما فيها من

قلق على المصير، ومعاناة للأمور تعد حزنًا بالقياس إلى هذا النعيم المقيم. والقلق يوم الحشر على المصير مصدر حزن كبير. (إن ربنا لغفور شكور) . . غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما جازانا عليها. (الذي أحلَّنا دار المقامة) . . للإقامة والاستقرار (من فضله) فما لنا عليه من حق، إنما هو الفضل يعطيه من يشاء. (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) . . بل يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والاطمئنان.

فالجو كله يسر وراحة ونعيم. والألفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني الرحيم. حتى"الحزن"لا يتكأ عليه بالسكون الجازم. بل يقال"الحزَن"بالتسهيل والتخفيف. والجنة (دار المقامة) . والنصب واللغوب لا يمسانهم مجرد مساس. والإيقاع الموسيقي للتعبير كله هادئ ناعم رتيب.

يقول الله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت