فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 431

أمام هذا الواقع المرير، وهو واقع يفرز ولا شك السلبيات أكثر مما يفرز الإيجابيات، لأن المُلك فيه للشيطان وحاشيته، وهو يدفع بضلالاته بقوة نحو المجتمعات، أمام هذا الواقع ما هو السبيل الأقوم لإفراز الثقات، ومعرفة حقائق الرجال دون لبس وتزوير، كذلك دون هروب من الحقيقة نحو الرمل للاختفاء؟.

إن الجواب على هذه الأسئلة يدعونا أن نرجع إلى النموذج المحتذى في تعريفنا بمنهجهم في معرفة الرجال وأحوالهم وقيمتهم.

لقد كان في الصحابة -رضي الله عنه-م علماء، وكان فيهم الأعرابي البوال على عقبيه (كما قال الذهبي) . لقد كان في الصحابة -رضي الله عنه-م الأثرياء، وكان فيهم من يقع في صلاته لشدة فاقته وفقره.

لقد كان في الصحابة -رضي الله عنه-م الشاعر البليغ، وكان فيهم العيي.

لقد كان في الصحابة -رضي الله عنه-م الصانع الخبير، وكان فيهم من يخسر في كل تجارة يمارسها.

القيادة: العلماء والجهاد

لقد كانت صور الصّحابة تتنوّع وتختلف في قدراتهم ونماذجهم ولكن كان هناك شيء واحد يجمعهم جميعًا بلا استثناء، ورابط يحوزهم بلا شذوذ، هذا الرّابط هو الجهاد في سبيل الله تعالى.

بل إنّنا نرى أنّ أغلب مسائلِ العلم التي علّمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-- سواء كانت في التّجارة أو بقيّة الأحكام - إنّما تعلّمها الصّحابة -رضي الله عنه-م وهم في حال الجهاد في سبيل الله تعالى.

وأنا لا أستطيع أن أُكثر الأمثلة، أو أستوعب بعضها في ذكر النّماذج التي تشهد لهذه القاعدة، أو لهاتين القاعدتين، لكنّي أدعو طلبة العلم وغيرهم إلى فتح وقراءة صحيح البخاري مثلًا (وهو أفضل نموذج لما أقول) ، ويقرؤوه بتمعّن وتدبّر، ويحاول كلّ واحد أن يجمع سبب الحديث الوارد، بمعنى أن يذكر الزّمن الذي قيل فيه الحديث، وأين قيل، وسوف يرى أنّ أغلب مسائل الفقه في عموم الحياة كانت تقالُ في الجهاد في سبيل الله تعالى، وهاك بعض الأمثلة:

• قوله -صلى الله عليه وسلم- لجابر -رضي الله عنه- في ترغيبه أن يتزوّج البكر: (( هلاّ بكرًا تلاعبك وتلاعبها ) )، قالها -صلى الله عليه وسلم- خلال قفلةٍ من غزوة.

• فقه التّيمّم من الجنابة أُخذ من حادثةٍ في غزوة.

• حكم زواج المتعة، كان كلّه في الغزو من تحليل وتحريم مؤبّد.

• جواز شركة الأبدان أُخذ من حديث يتعلّق بجواز الشّركة بين المجاهدين في الغنيمة.

والأمثلة أكثر من أن تحصى، وهي تدلّ دلالةً واضحةً أنّ عمل الأمّة التي ينبغي أن تعمل به - وكلّ عمل آخر هو تبع له - الجهاد في سبيل الله تعالى.

ولمّا كان عمل الأمّة بمجموعها - إلاّ من استثناه الشّارع الحكيم سبحانه وتعالى - هو الجهاد في سبيل الله، فكان المقدّم فيها هو أتقنهم لهذا العمل، وأكثرهم قدرةً على خوضِ غماره، فكان المُقدّم هو المجاهد في سبيل الله تعالى، وهكذا كان حال قادة الأمّة من خلفاء وأمراء، فلا يوجد خليفةٌ في تاريخنا الطّويل إلاّ وكان مقاتلًا مجاهدًا، وفي أعلى مرتبةٍ من مراتبِ هذا العمل العظيم.

هارون الرّشيد، هذه الشّخصيّة العظيمة، والتي ملأها الكذّابون أخبارًا مزيّفة عن بذخه ولهوه وقصفه، لو علموا حقيقته، لخجلوا من أنفسهم أشدّ الخجل، ولكنّهم في الحقيقة لا يخجلون.

هارون الرّشيد كان يغزو عامًا ويحجّ عامًا، وكان ينام على حصانِ جهاده حتّى تقوّست رجلاه من كثرة ركوبه عليه، ومات وهو في غزوة"الصّائف"جهة المشرق، وهو يجاهد في سبيل الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت