فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 431

الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار، والضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه )) (4) .

ثالثًا: أن يلتزم الدرجات الشرعية التي ذكرها العلماء في التغيير:

فقد ذكر الغزالي -في الإحياء-: (( أن درجات التغيير تبدأ بالتعريف؛ أي تعريف الفاعل للمنكر أن هذا منكر، ثم الوعظ اللين ثم السب والتعنيف بالقول ثم التغييرباليد؛ ككسر الملاهي وإراقة الخمر ثم التهديد والتخويف ثم مباشرة الضرب باليد والرجل ثم جمع الأعوان وشهر السلاح ) ) (5) .

وهذه الدرجات يمكن تقسيمها -كما يقول الأستاذ جلال الدين العمري- إلى نوعين: أحدهما الإصلاح بالوعظ، والآخر الإصلاح بالقوة على هذا الترتيب (6) والأصل في ذلك ما ورد في أمر الجهاد من البدء بالدعوة قبل القتال وكذا قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الْتِي تَبْغِي .... } (الحجرات: 9) ، فأمر بالإصلاح قبل القتال.

قال القرطبي: (( فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو القتل فليفعل، فإن زال المنكر بدون القتل لم يجز القتل، وهذا تُلُقي من قوله ?: {فَقَاتِلُوا الْتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلىَ أَمْرِ اللهِ} ) ) (7) .

وقال ابن العربي: (( وإنما يبدأ باللسان والبيان، فإن لم يكن فباليد ) ) (8) .

وقال الشوكاني: (( ولكنه يقدم الموعظة بالقول اللين، فإن لم يؤثر ذلك جاء بالقول الخشن، فإن لم يؤثر ذلك انتقل إلى التغيير باليد، ثم المقاتلة إن لم يمكن التغيير إلا بها ) ) (9) .

لكن إن علم أنه لا ينتهي عن منكره بمجرد القول، جاز له البدء بالدرجة الأعلى، وقد قال الجصاص فيمن قصد رجلًا بالقتل، أو قصد امرأة بالزنى ونحو ذلك: (( ... وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول، أو قاتله بما دون السلاح، فعليه أن يقتله ... وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع بيده أو بالقول امتنع عليه ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه، ولم يمكنه إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل، من غير إنذار منه له، فعليه أن يقتله ... وقول النبي ?: [من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده] يوجِب ذلك أيضًا؛ لأنه قد أمر بتغييره على أي وجه أمكن ذلك، فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل، فعليه قتله حتى يزيله، وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس أن دماءهم مباحة، وواجب على المسلمين قتلهم، ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه، ولا التقدم إليهم بالقول؛ لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا مقدمين على ذلك مع العلم بحظره، ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر ) ) (10) .

رابعًا: أن يقتصر على القدر المحتاج إليه:

فإذا أمكن أن يغير المنكر بيده دون التعرض لفاعله، فليس له أن يباشر الضرب على فاعل المنكر، وإن احتاج إلى ضربه: فإن كان المنكر يندفع بضربه بيده فليس له رفع العصا في وجهه، وقد قال الغزالي -رحمه الله- (( وهو ألا يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت