ولكن كيف استطاع تمرير أفكاره؟ وكيف استطاع إسقاط المسائلة عنه؟. إنه برفعه شعار: المفكر الإسلامي. فهو لا يتكلم في مسائل الصلاة والصوم والزكاة، ولكنه يتكلم في الفكر الإسلامي.
إن رفع شعار (الفكر الإسلامي) على هذه الصورة، وهذا المنوال لعبة ضلالية - قصد أصحابها أو لم يقصدوا - وهم به سمحوا لهذا الدين أن يصبح ألعوبة بيد الصبية، يلغون فيه كما يشاءون، وإلا فمن الذي سمح لفهمي هويدي أن يتكلم في عظائم الشريعة، ويقول فيها ما يحلو له ويسقط أحكام أهل الذمة من كتب الفقه؟.
ومن الذي سمح لمحمد عمارة أن يتكلم في عقائد المسلمين فيصلح منها البالي كعقائد المعتزلة ويرمي في المزبلة الحق والصواب؟.
ومن الذي سمح لحسن الترابي أن يجدد في أصول الفقه، ويجعل البرلمان الإسلامي صورة الإجماع التي لها الحق في نسخ الشريعة؟.
ومن الذي سمح لجودت سعيد أن يجعل مذهب ابن آدم الأول يلغي دين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يتجرأ بعد ذلك بأن يجعل الحكم القدري (الواقع) هو الذي يفسر النصوص في الشريعة وليس البيان العربي؟.
ومن الذي سمح لخالص جلبي أن يجعل مذهب غاندي أحب وأسلم من دين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.
من الذي سمح لهذا الغثاء - من المفكرين - أن يقودوا الحركة الإسلامية ويصدروا الأحكام فيها.
أي فكر هذا؟. وما هي شروطه؟.
وما هي ضوابط الحكم عليه؟!.
أجيبونا يا أهل الرأي والفكر.
لما بدأ الشباب المسلم يتساءل عن هذا الكم الهائل من المفكرين، وما هو السلطان الذي ملكوه ليتكلموا في دين الله كما يشاءون؟ وهل يحق لهؤلاء المفكرين أن يقودوا الحركة الإسلامية ويتهادوا بها بين خطر الحياة ودروبها؟ ولكن هذه الأسئلة وللأسف قد بدأت بعد أن تشرب الناس من الشباب المسلم أفكار هؤلاء القوم، واصطبغت عقليتهم بالصبغة التي يتحدث بها المفكر، وهي صيغ أقل ما يقال عنها أنها لا تتحدث كما تتحدث الشخوص المهتدية في القرآن الكريم، حيث فقد هذا التيار عبارات الشرع المحكمة، وتغيرت موازين الحكم والقضاء في رحم هذه العبارات، فبدل أن يتحدث الناس (الشباب المسلم) عن الجهاد، بدأوا يتكلمون عن الثورة، والكفاح السياسي، وبدل أن يلقوا على الناس عبارات: العبودية والعبادة صاروا يتحدثون عن الواجب الوطني، والحس القومي، والضرورة الاجتماعية، وبدل أن يستخدموا دوافع محبة الله، والخوف من الله، ورجاء الدار الآخرة، صار الحديث عن: مكتسبات الحركة، والأمن الاجتماعي، والأمن الغذائي، ووحدة التراب، القومي، وبدل أن يتحدثوا عن حق الله المفقود بتطبيق شرعه وحدوده صار حديثهم عن الحرية الاجتماعية، والعدل الاجتماعي، والظلم، والدكتاتورية.
فهذه العبارات تبين فقدان الاقتداء بحركة الهداة والدعاة كما شرحها القرآن الكريم.
اقرأ هذا النموذج:"إن الحركة الإسلامية ليست حركة فئة معينة من الشعب، إنها ضمير الأمة المتحرك وأعماقها الثائرة، ومن ثم فهي ترفض مقولة الصراع الطبقي، وتعتبر أن الإسلام، والإسلام وحده قادر على إزالة كل ألوان المظالم والاستغلال داخل المجتمع، ولكن في مجتمع لا يطبق الإسلام حقيقة، تتولد الفوارق الطبقية والحركة عندئذ تجد نفسها في صف الفقراء"