فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 431

والمضطهدين كما كان النبي عليه السلام يفعل إذ يرفض الأغنياء الجلوس مع الفقراء فينحاز إلى الفقراء بأمر من الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد الحياة الدنيا} ولقد استطاعت الحركة الإسلامية المعاصرة أن تحرر إلى حد ما الإسلام من الطبقة الحاكمة". انتهت العبارة عن كتاب مقالات لراشد الغنوشي التونسي، ومثلها: وما كان للإمام الخميني أن تلتحم القوى الشعبية في إيران وتسلمه قيادتها وتجن حتى الموت ... وما كان له أن يطوي كل أحزاب المعارضة ورجال الدين فيدفعها مرة أمامه ويجرها أخرى لو لم تجسد حركته أمل الجماهير العريضة في التحرر والعدالة والعزة والاستقلال، وكذلك المودودي فقد رسم للشعب الباكستاني خطة الحرية والعزة والاستقلال، فاستجابت له الأمة. ا. هـ."

هذا الخطاب المصاغ له مشكاة لن تكون أبدا من مشكاة القرآن والسنة، حتى الآيات القرآنية التي يستشهد بها، لا تعود إلى المناط الذي سيقت من أجله، فالآية التي استشهد بها النموذج المتقدم لم ترد أبدا لبيان انحياز النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى صف الفقراء ضد الأغنياء، بل انحياز النبي -صلى الله عليه وسلم- لصف {الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} .

فتكرار هذا النوع من الخطاب أفقد العبارات القرآنية والنبوية نضارتها وحضورها في نفسية الشاب المسلم المعاصر، فأين عبارات: الإيمان، والتوحيد، والكفر، والردة، والجهاد، والشيطان، والخير، والشر، والفسق، والذكر، والإنابة، والإخبات، والحب، والولاء، والبراء، وغيرها من العبارات التي تحمل في داخلها المفاهيم الإسلامية كما تعامل معها السلف.

أصبح الشباب المسلم بعيدا كل البعد بسبب هؤلاء المفكرين (الآرائيين) عن هدي الكتاب والسنة، وقد اكتشف بعضهم فقدان هذا الخطاب الآرائي أثره على قطاع من الشباب، إذ بدأ الشباب ينفلت من حركة المفكرين المنحرفة، وصار يتوجه إلى ما يسمى بالكتب الصفراء، وأسباب هذا الاكتشاف، وعوامل تنميته له جوانب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها، لكني أستطيع أن أقول إن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم كتب الشهيد سيد قطب كان لها الأثر القوي في هذا الاكتشاف وإحياء الخطاب الشرعي الصحيح الملائم للحق القرآني.

هذا الاكتشاف والتوجه الجديد بدأ يهز العروش النخرة من سلطان الآرائيين فكان لابد من معالجة هذا التوجه بما يناسبه، فتوجهت بسرعة حركات الرأي الضلالية إلى أصحاب إلا العمائم القديمة، لتقنين هذه الأفكار التي صدرت من الآرائيين في صورة فقهية، تناسب التوجه الجديد، فبدا أصحاب العمائم (الفقهاء) يفتشون في بطون الكتب الفقهية ليساندوا هؤلاء الآرائيين بأقوال الفقهاء القدماء:

المفكر ينفي حد الردة، يأتي الفقيه ليقول له إن حد الردة كان سياسة وليس تشريعا دائما، وإن شئت فاقرأ كتاب"الفروق"للإمام القرافي المالكي لترى الفرق بين فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كمشرع وفعله كقائد دولة وسياسي.

المفكر ينفي وجود أهل الذمة، وإن وجدت فهي تسمية لا تبعة عليها، فأهل الذمة لهم الحق في تولي السلطات، والمسلم يقتل بالكافر، فيسارع الفقيه إلى أقوال الفقهاء لتنجده.

المفكر ينفي الجهاد الهجومي (جهاد الطلب) فيسارع الفقيه إلى التدليل على رأي المفكر. وهكذا اكتشفنا بقدرة قادر، أن ما يقوله هذا الغثاء من المفكرين الآرائيين لم يكن بدعا من القول، ولكن هناك من أئمتنا من قال به، حتى أن من فقهائنا القدماء من قال: بجواز الغناء، وجواز تولي المرأة القضاء والإمامة، بل وأعظم من ذلك، فلماذا العتب؟.

نعم لماذا العتب؟ وجاز للعقلاء حينئذ أن يقولوا: إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت