كانت هذه الشخصية حقيقية أم اعتبارية، تبدأ النظرية بأن كل المعروض حق، وهو فقه إسلامي، أي جائز الأخذ به، وليس هذا القول بأولى من الآخر قبولا أو ردا، وبالتالي علينا التخير بما يلائم واقعنا وحياتنا، أو بما يقدر أن يعيننا في مناظرتتا وحجاجنا لخصوم الإسلام، وأنا هنا لا أتكلم فقط عن الفروع ولكن القضية الأولى والأبرز في هذا الموضوع هي القاعدة التي يعتمد عليها هؤلاء الآرائيون وهي أن الشريعة كانت لينة في استجابتها للتغيير بسبب دخول علل جديدة على حياة الناس وأفكارهم.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"في استجابته للخصومة بينه وبين السلفيين اضطر البوطي أن يبرر بدعة العقيدة على يد الأوائل، وأن يجعل البدع التي قاتلها السلف ونفروا الناس منها ما هي إلا الحقيقة الأولى عند الصحابة، وإنما تطورت استجابة للواقع ولرد الشبه التي أحدثها المولدون (المسلمون الجدد) ، أي أن مذهب الخلف هو مذهب السلف (لا يزيد ولا ينقص) ولكن تطور ليوافق الواقع المعيش.
ومع أن البوطي يستدل بالكوني المتغير والمتطور (والصحيح المكتشف والمستثمر) على الشرعي (وهذا منتهى الفجاجة والجهالة) إلا أنه في النهاية يفتح هذا الباب (مع إخوانه) على جواز تطور الشريعة لتوافق الظروف الجديدة.
لقد مدح هؤلاء الآرائيون منهج البدعة التي حذر منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) )، (1) فجاء هؤلاء ليقولوا أن ما فعله الأوائل من بدعة هو منتهى الحق، لأنهم استجابوا لظروف حياتهم، ثم ذهبوا يبررون الفارق بين علم السلف وعلم الخلف لا على أساس ما فعله الخلف - أنه سبب انحطاط الأمة وذهاب قوتها وعزها - ولكن على أساس مدح المبتدعة بأنهم قدموا الإسلام الجديد للوضع الجديد.
هذه القاعدة التي يقولها هؤلاء القوم هي عين القاعدة التي يحتج بها العلمانيون على طريقتهم المبتدعة والجديدة في دراسة الشريعة، صحيح أن الكثير من النتائج مختلفة عند الفريقين لكن القواعد بين الفريقين قواعد مشتركة.
لو قرأ المرء كتاب عزيز العظمة"العلمانية من منظور مختلف"وهو من أوقح العلمانيين في طرح ما يريد كما في كتابه المذكور، لرأى أن موقفه من تبني العلمانية خارج - رغم أنفه - من رؤيته لتطور الإسلام وتغييره (استجابة للسلطة لا كما يعتقد البوطي) ، وقوله هذا نفس مخرج محمد أركون حين برر لنفسه ابتداع أصول فقه جديد لفهم النص، وهو نفس قول ومخرج نصر حامد أبو زيد، (2) وهي القاعدة التي ذكرها البوطي في كتابه"السلفية".
القاعدة واحدة وهي أن الأوائل أولوا النص، وداروا به، وحاوروه، واستجابوا في تفسيره للأفكار الجديدة الوافدة، وهؤلاء الأوائل لم يخرجوا من دائرة الإسلام، ولم يعنفهم أحد، بل عدهم الناس أئمة وقادة، وعلماء، ومجددين، فلماذا يحرم علينا هذا الفعل، ولماذا لا نطور النص بقواعد جديدة، ونفهمه بآلية حديثة؟.
هذه هي القضية وهي إحدى مشتركات العلمانية مع الآرائية الحديثة أو هي إحدى ثغرات الآرائية للبناء العلماني.
الأمثلة على هذا المشترك كثيرة، ولعل القارئ الباحث لا يعجز عن رؤية الكم الهالل من المداحين لأئمة التغيير والتبديل في التاريخ الإسلامي حيث تصبغ عليهم عبارات هائلة من المدح