فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 431

وإنما اشترط ذلك لأن الجاهل قد يوقعه جهله في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وهو لا يدري، كما أنَّا قد قدمنا أنه يلزمه تقديم الدعوة والبيان، وأنَّى له أن يدعو وأن يبين وهو جاهل، والله ? يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلىَ اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: 108)

فمن أين له بالبصيرة في دقائق العلم وهو عاميٌّ جاهل.

وبعد:

فهذه أهم الضوابط التي يجب مراعاتها عند التغيير باليد، ولعلك تلحظ فيها أخي القارئ أنها كلها تقريبًا ليست خاصة بآحاد الرعية، بل إنها مما ينبغي على الحكام والعلماء أيضًا مراعاته، وكذلك فإن منها ما ليس بقاصر على درجة التغيير باليد، لكنه قد يُطلب أيضًا عند التغيير باللسان، ولكننا ذكرناها كضوابط للتغيير باليد لآحاد الرعية بالذات، لعظم الحاجة إليها في هذه الحالة أكثر من غيرها، والله أعلم.

الفصل الثالث

شبهات وتساؤلات

1 -الفهم الخطأ لقوله تعالى: {عليكم أنفسكم} :

يذكر البعض قوله ?: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّنْ ضَلَ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (المائدة: 105) ويقصدون أن معنى هذه الآية أن الإنسان عليه أن يستقيم في نفسه، وما دام قد اهتدى هو فلا شأن له بالآخرين.

وهذا الفهم خطأ ولا شك، وقد كفانا مؤنة الرد على هؤلاء أبو بكر الصديق ? حيث قال: (( يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّنْ ضَلَ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنا سمعنا النبي ? يقول: [إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب] ) ) (1) .

والمقصود من ذلك أنه حينما يقوم المؤمنون بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهم يكونون قد اهتدوا، وبعد ذلك لا يضرهم ضلال من ضل، قال ابن تيمية: (( وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأُدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما ) ) (2) .

وقال الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-: (( وهكذا صحح الخليفة الأول رضوان الله عليه ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة، ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح؛ لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق، فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه .. ) )إلى أن قال رحمه الله: (( ... لا بد من جهد بالحسنى حين يكون الضالون أفرادًا ضالين يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى، وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم، وبعد ذلك لا قَبْله تسقط التبعة عن الذين آمنوا وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه ) ) (3) .

ومما يوضح ذلك أن الله ? يقول: {وَاتَّقُوا فِتنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَةً} (الأنفال: 25) فمن ترك الإنكار - مع قدرته عليه - دخل في الوعيد وقد يصيبه من الفتنة ما يصيب الذين فعلوا المنكر، ولذلك يسمي الشيخ محمد أحمد الراشد هؤلاء بالأبرار الهالكين (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت