فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 431

(4) - الموافقات 2/ 6.

لو رجع الناس إلى ما قاله الشاطبي جملة دون تخير بالهوى لرأوا أن ما يقوله الزاعمون من نظرية المصالح البشرية محض هراء نفسي لا دليل عليها من دين أو عقل، وازن بين كلام أهل الأهواء وبين قول الشاطبي: المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع: كما نقول: إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة للإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال كان إحياؤها أولى فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى، وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد وغير ذلك. (1)

فالمقاصد التي يتكلم عنها الشاطبي هي مقاصد ومصالح الشريعة المبنية على النظر الأخروي كما قال في عدة مواطن ومنها قوله: المصالح المتجلية شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية. (2)

وكذلك قوله: إن المصالح هي بنظر الشارع لا بنظر المكلف، أي أن حكم الله تعالى في الجزئي (الدليل الخاص) هو الذي يحقق المصلحة، وإن فاتت بعض المصالح لدى النظر القاصر. (3) ومن قوله كذلك: إن الكلي لا يقدح بالجزئي. أي أن المصلحة لا تلغي الحكم الخاص بالمسألة، وإن بدا للناظر التعارض، لأنه ما من مسألة إلا ويتجاذب فيها عدة قواعد، فالشارع يلحقها بالأشبه، ولا يعرف الأشبه إلا بالدليل النقلي لا العقلي، ويغلف ذلك كله أن من مقاصد التشريع ومن مصلحة الشريعة هو حصول الابتلاء. قال الشاطبي: الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله. (4) فأين هذا الذي يقوله الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى من قول أهل الأهواء الذين جعلوا الشريعة ألعوبة بيد الناس يستصلحون منها ما يشاءون، ويردون منها ما يريدون.

وكلامي هنا لا يعني رد القواعد وعدم اعتبارها عند الترجيح والنظر، ولا إلغاء المصلحة الشرعية، ولكن القصد من ذلك هو أنه لابد من اعتماد الأدلة الشرعية في الاحتجاج وليس مجرد التشهي والهوى، ففرق كبير بين من نظر إلى مقاصد الشريعة من جهة أنها تسعى لتحقيق الآخرة وأن المقاصد الأخروية هي الغاية وبين من نظر إلى الأحكام على اعتبار دنيوي فقط. انظر قول جودت سعيد في إلغائه هذه القاعدة في التعامل مع الشريعة والناس، يقول:"الكفر ليس ذنبا دنيويا، الكفر ذنب أخروي، الله يحاسبه، الكافر له حق أن يعيش، والملحد له الحق أن يعيش محترما، وإن استطاع الملحد أن يقنع الناس بإلحاده لا حرج عليه لكنه لا يفرض رأيه بالقوة، ويجب أن نزيل التنابز بالكفر. (5) وهو قول حسن الترابي في إسقاط حد الردة، وهو قول راشد الغنوشي، وهو قول محمد سعيد رمضان البوطي في نفيه الجهاد الهجومي، وهو قول الإخوان المسلمين في رسالتهم القبيحة المسماة"هذا بيان للناس"عندما نفوا العنف تحت أي اسم كان، حتى لو كان باسم الإسلام (وهي كلمة مكفرة) ."

وهذا القول الذي قالوه إنما كان استجابة لضغط العلمانيين ومحاولتهم للتوفيق بين الإسلام ومذهبهم الإنساني، فإن العلمانيين يتهمون الحركات الإسلامية بأنها تمارس سكرتريا القيامة، (6) أي أنهم يطبقون إرادة الله في البشر، وهذا المعنى حق فإن الإسلام هو أمر الله للمسلمين بأن يطبقوا أحكام الله على الناس، فمن أحبه الله أحبوه ووالوه وأحسنوا إليه، ومن أبغضه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت