لقد جاهد من جاهد، واجتهد من اجتهد، وهاجر من هاجر، وابتلي من ابتلي، وتعلم من تعلم، واستشهد من استشهد، فهل هذا مما يوسف عليه أم أن هذه هي الحياة التي ينبغي أن يعيشها أهل الإسلام؟.
ثم اعلموا حفظكم الله أن حصول تمام ومنتهى النصر لا يقع دفعة واحدة، وإن النصر النهائي هو محصلة نهائية لحركة حياة جهادية كاملة، فيها النصر، وفيها الهزيمة، فهل فتح مكة كان بين ليلة وضحاها؟ أم أنه وقع بعد سنين من المعاناة: نصر في بدر، وهزيمة في أحد، فتن وآلام وملاحم في الخندق، مناورات عسكرية ودعوية في الحديبية، ثم وقع الفضل الإلهي بفتح مكة، لكنه بعد مقدمات كثيرة، فهل الوصول إلى القمة يتم بقفزة واحدة كما يفكر أهل التصوف الفكري المعاصر من أصحاب نظرية العصا السحرية: ضربة واحدة فإذا نحن في بلد الإسلام وبلد العزة والهجرة، مالكم كيف تحكمون؟!!.
المسلم لا يعلم الغيب لكن إن قدر لبعضنا أن يعيش ويرى الثمرة النهائية وهي تسقط على أصحاب الفضل الإلهي سيدرك أنه ما من حركة قام بها أهل التوحيد والجهاد إلا وكانت لبنة في البناء النهائي: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} .
لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدركون أن صلح الحديبية فتح من الله، وهو مقدمة فتح الفتوح مع وجود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم، ومع أنه هو الذي عقد العقد، وأنشأ الصلح، إلا أن نفوسهم لم تكن تحتمل هذه الواقعة، ولكن سبق علم الله علمهم، وكان ما أراده الله لهم.
نحن على الطريق نسدد ونقارب: نعمل ونصبر ونبقى في مواقعنا لا نتزحزح عنها حتى يأتينا أمر الله ولن نعتذر عن عمل بنيناه على الاجتهاد، ورجونا خيره، وحصول ثمرته الكلية، فإن وقع ما أملنا فهذا فضل الله وحده، وإن كانت الأخرى: فيا الله يا صمد، يا عالم السر وأخفى ويا من بيده ملكوت السماوات والأرض، أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تقبضني إليك، فلا أرى ولا أسمع ضحكات التشفي والغرور.
كثيرة هي المرات التي يتخلف الناس فيها عن الحق بسبب الهوى وشدة تكاليف الثبات على الطريق، ولكن قليل هي الحالات التي يعترف فيها هذا المتخلف بهذا السبب، فإن المتخلفين لابد لهم من ستر هذا الهوى وهذا الضعف بصور من التبريرات التي يحاولون بها إقناع الناس أن تخلفهم له من الأسباب المقنعة والموضوعية، فأول ما يفعلونه أنهم يذهبون إلى الحق لشتمه وتزوير حقيقته، أو لتعظيم بعض الجوانب السلبية على الحقيقة الظاهرة، والقرآن الكريم كشف لنا هذه الأساليب خير كشف، وعراها لنا لنكون على بصيرة ونور من هذه المكائد النفسية، وليعلمنا أن محاولاتهم هذه مكشوفة غير مستورة، وأنها وإن تقنعت بقناع حاجب، فهو في الحقيقة قناع زائف يشف ما تحته، ويبين ماوراءه لمن تمعن فيه ولم تغره الصور الظاهرة.
في قوله تعالى عن المنافقين في أول سورة نقرؤها فيها ذكرهم: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} .
هذه الآية عظيمة في كشف النفاق والمنافقين، وطريقتهم في التنفير من الحق، وهي كلما سمعتها أو قرأتها تمثل لي أولئك القوم الذين مروا على مدار التاريخ الإسلامي وإلى يومنا هذا في ادعاء الفهم الثاقب، والعقل السديد، والإدراك العظيم للقضايا التي تطرح أو تعالج، وهم مع هذه الدعوى ينبزون الأثريين والسلفيين بضيق الأفق، وقلة المعرفة، وسذاجة الفهم، وبسبب