كانت محرّمة حتّى في أزهى عصور الازدهار والتحرر من التقليد، فبدأوا يمارسون الاجتهاد على الثّوابت واليقينيّات المستقرّة في دين الله تعالى، وكلّ هذا تحت دعوى الاجتهاد.
هؤلاء القوم هم أئمّة أهل الضّلال في هذا العصر، وهم يريدون أن يقلبوا صورة هذا الدين من الصّورة التي استقرّت عليها الشّريعة، إلى صورة أخرى تلائم واقعهم، وهو واقع بئيس ومنحط بلا شكّ، بل واقع مهزوم ولا يفرز إلا آراء الهزيمة، ويحاول بكلّ جهده إصباغ الشّرعيّة على هذه الهزيمة.
الفصل الثاني
الفقيه والسلطان والاجتهاد
"إن كان المرء العالم في كفاف من العيش، من وجه مرضي، فليحمد الله عز وجل، وليقنع به، وليعمل لدار القرار، ولا يسره الإكثار من أحجار وخرق يتركها عما قريب، أو تتركه"ابن حزم
من أجل استتمام الأمر على صورته الكاملة انطلق هؤلاء المنهزمون تحت شعارات عدة، وإلى مواقع عدة لخدمة هذا الانحراف: من هذه الشعارات التي استخدموها شعار (الفكر الإسلامي) و (المفكر الإسلامي) هذا الشعار بدأ استخدامه كبديل عن صورة"المجتهد"في اصطلاح أئمتنا.
مصطلح المجتهد يحمل في ذهن المسلم مجموعة من الشروط التي لا يقبل أن يتنازل عنها بسهولة، مع أننا نعترف أن كثيرا من هذه الشروط ليست صحيحة، لكن هذه الصورة على العموم لا تسمح للمدعي أن يلج إلى هذا المصطلح ويتلبس به بسهولة، ومما استغله أصحاب هذا الشعار، أن الفقه الإسلامي باعتباره مصطلحا، صار قاصرا في موضوعه على مجموعة من الأبحاث لا يتعداها، مثل العبادات والمعاملات، وهكذا فإنهم اقتصروا في اجتهاداتهم على هذه الأمور، فالفقيه الإسلامي في هذا العصر هو الذي يتكلم في شئون فقه الصلاة، وفقه الصوم، وفقه الزكاة، وفقه الحج، وأحكام الدماء والطهارة وما جرى على هذا المنوال، وأما المفكر الإسلامي فهو الذي يبحث فيما لا يدخل في اختصاص الفقيه الإسلامي (حسب قسمة عقلية الانحطاط المتأخرة) . ومن هذه الأمور التي ولج فيها المفكر الإسلامي بقوة: مسائل السياسة الشرعية، فهو يتكلم عن الديمقراطية في الإسلام، والاشتراكية في الإسلام، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، ونظام الحكم في الإسلام ... الخ هذه القائمة الطويلة، وهذا المفكر بهذه اللعبة الغريبة سمح لنفسه أن يجتهد في أعظم مسائل الدين والفقه، ولكن تحت دعوى أنه مفكر إسلامي، وليس فقيها أو مجتهدا، مع أنه في الواقع فقيه ومجتهد (ولكن ليس كل مجتهد مصيبا) وباستخدامه كلمة المفكر أسقطت عنه الكثير من المسدلات والعوائق التي ستقع لو أطلق على نفسه وصف الفقيه أو المجتهد، وحتى تتضح لك الصورة أكثر خذ هذا المثال: الشيخ المجتهد الفقيه راشد الغنوشي، (أظن أنك لن تستسيغ هذه الأوصاف لهذا الرجل، لكنها الحقيقة على كل حال) ، ويقابله في الصورة الأخرى: المفكر الإسلامي عبد العزيز بن باز (أظن أنك لن تستسيغ هذا الوصف كذلك، لكنها الحقيقة على كل حال) .
والسؤال: لماذا لم تستسغ هذه الأوصاف؟، وما هو الشيء الاجتهادي الذي يخوض فيه الأول ومحرم على الآخر؟. وما هو الشيء الاجتهادي الذي يخوض فيه الثاني ومحرم على الأول؟.
راشد الغنوشي: فقيه ومجتهد ولا شك، وهو يصول ويجول في أكثر مسائل الدين والعبادات تعقيدا، (ويغوص) حتى أذنيه في مسائل فقهية كان كبار الأئمة يتورعون عن الاقتراب منها.