في سبيل الله هو أقدر من غيره على معرفة هل يلحق التغيير ضررًا بالغير أم لا، فأولى بهؤلاء المعترضين أن يسألوا أهل الخبرة في ذلك، فهم أدرى بما يتوقع حدوثه من ضرر ..
يقول البعض: إن من يقوم بتغيير المنكر بيده إنما يقوم بالافتئات على حق الحاكم، إذ أن الحاكم هو الذي يناط به مهمة إقامة الحدود.
وجوابًا على ذلك القول نقول: قد فرق أهل العلم بين تغيير المنكر وإقامة الحدود وممن فرق بينهما الغزالي -رحمه الله- حيث قال: (( ليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر، فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية ) ) (30) .
ومن ذلك نفهم أنه يفرق بين إزالة المنكر وبين العقوبة عليه فالأولى تجوز لآحاد الرعية والثانية من خصائص الحكام.
إن من أغراض إقامة الحد في الإسلام تأديب الجاني على ما اقترفت يداه وزجره عن أن يعود إلى ذلك مرة أخرى، وكذلك زجر غيره عن اقتراف هذا الإثم ولأجل ذلك فقد أنيطت هذه المهمة بالحاكم.
أما عملية التغيير فهي مجرد إزالة للمنكر أو دفع له، وهذه يقوم بها الحاكم وغيره، ومن قرأ ما سبق أن أوضحناه من الأدلة على ذلك لا يحتاج معه إلى زيادة بيان والله أعلم (31) .
10 -شبهة المنكر الأكبر والمنكر الأصغر:
يقول البعض إنه لا يجوز الانشغال بتغيير المنكر الأصغر قبل تغيير المنكر الأكبر وهو عدم الحكم بما أنزل الله، وإن هذا الانشغال بالمنكر الأصغر يعرقل الجهود المبذولة من أجل إزالة المنكر الأكبر، ويقول بعضهم إننا في عصر استضعاف يشبه العصر المكي، وليس لنا أن نقوم بتغيير المنكرات بأيدينا، لأن الرسول ? لم ينشغل بتكسير الأصنام إلا بعد فتح مكة حين أصبحت مكة دار إسلام.
وجوابًا على ذلك نقول: إن كلامكم هذا لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، وإليكم البيان:
1 -أما قولكم لا يجوز تغيير المنكر الأصغر قبل تغيير المنكر الأكبر فجوابه من وجوه:
الوجه الأول: يقول الله ?: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم} (التغابن: 16)
ومعنى الآية أن الإنسان عليه أن يتقي الله قدر استطاعته أي أنه إن استطاع أن يغير المنكر الأصغر، ولم يستطع تغيير الأكبر فليغير الأصغر لأن ذلك هو الذي في قدرته واستطاعته.
الوجه الثاني: يقول النبي ?: [إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم] (32) وما قيل في الآية السابقة يقال في هذا الحديث، ولذا فقد تقرر عند العلماء أن الميسور لا يسقط بالمعسور (33) فمتى قدر على بعض المأمور به وجب فعله ولا يسقط البعض لعدم القدرة على الكل.
الوجه الثالث: أن هذا الفهم الذي ذكرناه هو الموافق لقول أهل العلم، فقد ذكر الخلال أن الإمام أحمد -رحمه الله- سئل عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى على أن ينكر عليه، وضعيف يعمل بالمنكر أيضًا يقوى علي هذا الضعيف، أينكر عليه؟ قال: نعم ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه (34) .