فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 431

الطيبة، فبهذا يحقق الوعد الإلهي لتحقيق المصالح في الدنيا وتحصيل الأجر الأخروي يوم القيامة، فهو سعيد في دنياه وسعيد في أخراه، ولكن لا يظنن أحد أن سعادة الدنيا تتم بتحقيق كثرة المال والعرض والمنصب، فهذه ليست بشيء في إرادة الرجل المسلم، فإن إرادته معلقة بنيل الشهادة، وهكذا يتقلب المرء في سنة الله بمتابعة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

عوامل التمكين: الإرادة والإدارة مع العلم والقدرة

لقد كتب من كتب من الأوائل في إبراز عامل الشجاعة وحب الدار الآخرة في تحقيق النصر وقلما رأينا من كتب في إبراز عامل الفهم والتعامل مع السنن الإلهية والقيادة الواعية في تحقيق النصر، ومن هنا فالمعركة إدارة وليست طلقات فقط وتحسم المعركة، ولكنها طلقات تسير ضمن قانون سنني دقيق تجمع معها إدارة شاملة وحنكة راقية ووعيا رفيعا وهداية ربانية ودعاء مظلومين والتجاء الصالحين لسيدهم في الأسحار كل هذه أجنحة مهمة لتحقيق الموعود الإلهي.

إني على ضعفي وقلة حيلتي وقلة إدراكي فإني أقول إننا مازلنا في القاع، ولم نخرج بعد من الفهم الغنوصي للسنن والحياة، وبيننا وبين الفهم عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- أميال وأميال، ولما نفهم فهما صحيحا لكي تتحرك إرادتنا بعلم صحيح (للشرعي والكوني) ورغبة في الدار الآخرة ونملك ما أمر الله تعالى به من القوة حينها ستفتح علينا خزائن الله متفجرة بتحقيق الوعود والمبشرات.

لسنا على استعداد أن نتوقف ويكفينا أن نذهب إلى الأخدود كما ذهب أصحاب الأخدود وعلينا أن نحضر أنفسنا لذلك، فالطريق ما زالت بعيدة عن التمكين في الأرض، ولكن لنجعل الطريق إلى السماء بحصول الشهادة (وهي طريق جد قصيرة) خطوة ندفع بها إسلامنا إلى الأمام لتأتي الأجيال القادمة فترى طريقا معبدا، ومعالم واضحة، فتأخذ بها لتحقيق التمكين في الأرض.

مقاصد الشارع ومقاصد المكلف من التمكين:

من المهمات العظمى لهذا الدين إخراج المرء من دواعي هواه إلى دواعي تحقيق العبودية لرب العالمين، ومن صور هذه المهمة أن الإنسان بطبعه تقصر نظرته إلى الواقع الضيق الذي يعيش فيه، ويكون همه أن تفرج عليه بمقدار هذا الواقع والهم الضيق، ويظن أن منتهى الطلب وغاية المنى هو تحرره من ضيقه الآني وحفرته الصغيرة، وهذا هو هم نفسه وغاية هواه، ولما يخرج المرء من هم نفسه وغاية هواه إلى مقصد الرب من نفسه وغاية الإله من ذاته فإنه وإن كان الإنسان المسلم في لحظة من اللحظات يعيش هذا الهوان وهذا الضيق فإنه متطلع إلى غايات عظمى ومقامات جليلة وهي مقاصد الرب التي تتلاءم مع قوته وعظمته، مع أن غايات الإنسان الضعيف تتلاءم مع ضعفه وعجزه.

فالمسلم في سجن من السجون، وهو يذوق أصناف العذاب ويلاقي أشد الهوان، فإن مقصده، بل أعلى مطالبه أن يخرج من هذا السجن ويعفى من هذا العذاب، ويظن أن ذلك هو غاية ما يمكن أن تبلغ رحمة الله تعالى به، ولكن من سمات هذا الدين ومن مقاصده أن يرفع نظره، ويعلي درجته غايته أن يقود العالم، ويحكم الدنيا وتخضع له الأرض، ويكون ذلك أمله وهو في هذه الحالة من الهوان، فهو يتعامل مع قوي عظيم قادر على كل شيء، ولا ينظر فقط إلى حالته وقوته هو.

عندما كان الصحابة -رضي الله عنه-م يأتون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم في أشد حالات العذاب والفتنة وهم في مكة، ويشكون له هوانهم على الناس، وألم العذاب وضيق الحياة، فهم في هذه الحالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت