فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 431

أهل التقليد والبلاهة، فهؤلاء القوم يستطيع الخبثاء أن يسوقوهم إلى ما يريدون من خلال الشّعارات الجميلة المرضية، ويصدّوهم عما يريدون من خلال الألقاب النابتة القبيحة.

وحين يقبل المرء أن يكون أتباعه من هذا الصنف من البشر - أهل التّقليد والبلاهة - فهو رجل نخاسة تهمُّه الأرقام والجسوم، لا المبادئ والعقائد والأفكار، وهو رجل في ميزان الفكر والعقل والدّين لا يساوي ذرّة أو نقير.

قد يجاهد البدعيّ، وقد ينصر الله الدين بالرّجل الفاجر كما أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فليس حَمْلُ السّلاح هو الفارق بين البدعي والسُّني، ولكن الفارق هو المنهج، وبالتالي علينا أن نفهم آلية الفهم عند الرّجل عندما حمل السلاح، وما هي دوافعه؟، وما هي مبرّراته عندما حمل السّلاح مقاتلًا مجاهدًا؟. فعلينا أن لا ندفن رؤوسنا في الجهل، ونعمى عن رؤية الحقيقة عندما يأتينا رجلٌ أو تنظيم ويحرّضنا على حمل السلاح، بل علينا أن نتوثّق من منهجه، ومن فهمه لحقيقة الجهاد، وفهمه لتوحيد الله، وللإيمان عند أهل الحقّ والهدى.

جماعات الجهاد السلفية: الشمول والتكامل

نحن الآن نعيش فوق قنطرةٍ، أمامها الكثير من المفاوز والقفار، وخلفها الكثير من الفوائد والعبر، وبين يديها كتاب الله تعالى، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكيف علينا أن نطرح أنفسنا؟، وإذا طرحنا أنفسنا بصفتنا حركات جهاديّة سلفيّة، فما هي حقول وميادين عملنا؟ هل هي طوائف الردّة الممتنعة من قتالنا لهم فقط؟ أم أنّنا أمام أكوام من التراث المختلط، وواجبنا كذلك أن نحرّر إرادة الأمة من عوائق الشرك والجهل؟.

وعلى معنى آخر: هل طرح جماعات الجهاد السلفيّة لمواضيعها على صيغة شمولية أم في جزئية من الجزئيات؟.

الجواب ولا شك: إن الواجب علينا أن نعالج الدّين كله، نجدّده، وأن نعيد بهجته وضياءه على صورته الأولى وهو جديد أوّل مرة، وهذا يوجب علينا كذلك أن لا نغترّ بالجزئيات والفرعيّات، بل علينا أن نفهم آليّة فهم هذه الجزئيّات، وما هي أصولها، وما هو المنهج المتّبع حتى وصلت هذه الجزئيات والفرعيات.

إن موافقة بعض الطوائف لنا في مسألة من المسائل لا يعني أبدًا أن هذه الجماعة منّا، ونحن منها، وأنّ لها ما لنا، وعليها ما علينا. بل إنّ الجماعة التي هي نحن، وهي منّا، ونحن منها إنما هو بالنّظر إلى منهجها، وآلية فهمها لدين الله تعالى.

لقد مرّت على أمّتنا أطوارٌ كان قادة القتال والجهاد فيها هم أئمّةٌ فيهم جذورٌ بدعية شديدة، وقد مدحَتهم كتب الرّجال وما زال أثرهم الحسن يتردد على الشفاه والألسن، ولكن علينا ألا نغضّ الطّرف عن الجانب البدعي فيهم، وبراءتنا منه، وعدائنا له حتى نحفظ للحقائق وجودها، ولئلا تضيع خلال حمّى التشجيع والتأييد لهذه الطوائف.

والمثال يوضح المقال:

عندما نشأت الزَّندقة العجَميّة في المجتمعات الإسلامية، وأطلّت برأسها الخبيث، وبدأت تكشف عن نفسها دون خوف أو وجل، رأينا أن أقوى الرُّدود على هذه الزندقة كانت صادرةً من جهاتٍ مسلمة بدعيّة، وكان لردودهم في ذلك الطور أبلغ الأثر في إزالة آثار هذه الأفكار الإلحادية.

عندما كتب ابن الراوندي الزنديق الملحد، كتب ودعا إلى عدم الثقة بالشريعة، وذهب (لعنه الله) لضرب دين الله بعضه ببعض، حينئذٍ قام له رجل بدعي هو أبو علي الجبائي المعتزلي ففضح أمره، وكشف جهله، وردَّ كيده إلى نحره، مدح الناس هذا الصنيع لأبي علي الجبائي المعتزلي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت