فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 431

وأنت حين ترى المجاهدين ترى شجاعة القوم ببشرية حقيقية، فهم يتألمون حين يصابون، ويصرخ أحدهم من الألم، وهم ربما هرب المقاتل منهم فهو يصارع نفسا بشرية قد تغلبه وقد يغلبها، ثم هم يغنمون فيختصمون على الغنيمة وتعلو أصواتهم، وهم يبيعون ويشترون ويختصمون ويحتاجون إلى من يحكم لهم، وقد تخرج من فم أحدهم الكلمات (كلمات البشر حين الخصومة) ، وقد يتنازعون حتى يحلف الواحد منهم أن لا يكلم صاحبه، بل ربما مات أحدهم وهو مخاصم لأخيه.

وأنت ترى الزوج في بيته في حركة حقيقية، فهذا يشتهي زوجته وهي قائمة تصلي، وهذا يضرب زوجته، وهذا يداعب أولاده، وهم مع ذلك كله أولياء الله تعالى. إنه النموذج الحقيقي للإسلام الصحيح والبشرية الحقيقية، هم أولياء الله حقا، والنخالة في غيرهم.

(1) - انظر"الباعث الحثيث"بتعليق أحمد شاكر، هامش ص 125.

(2) - انظر المنتظم لابن الجوزي (8/ 267) .

لما كان التقليد شرا من كل وجه، ويكفي أنه يعطل أعظم نعمة لله على عباده، وهي إطفاء نور العقل الذي يتميز به الإنسان عن غيره، فإن سبيل الشيطان في تحجيم دور الحق في نفوس أتباعه، ثم إماتته، عن طريق الخمول والكسل اللذان استعاذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهما، والدعوة السلفية في أصلها إحياء للقواعد التي أحيت في الأمة روح البحث، وفجرت في نفوس الأمة عوامل البناء والنظر المبدع، وهكذا ينبغي أن تكون، ويجب على أصحابها المحافظة عليها من عوامل الدخن والتشويه، فالدعوة السلفية هي إحياء المنهج العلمي وتجريده من الشوائب الفاسدة، والعوامل الدخيلة، وهي كذلك تحطيم لأغلال الإرادة المعوقة لاستقلال الإنسان في البحث والنظر، فتجريد المنهج العلمي، يحمي المرء من الظن الفاسد، والوهم الكاذب، وتحرير الإرادة يمنع المرء من الوقوع في الهوى، والهوى في أهل التقليد هو الكسل الآمن، وهو الذي يدفعهم إلى ربط عقولهم بدعة واطمئنان في أيدي غيرهم دون تمحيص ومجاهدة، وقد جع الله تعالى الظن والهوى في آية، وجعلهما مقابل الحق الذي بعث به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى} .

وقد بدأت الدعوة السلفية بكل قوة بتحطيم أوهام الظن، ومعوقات الهوى في بداية أمرها، فنشأت بوادر التحقيق العلمي قريبا من النص المعصوم، وبعيدا عن الآراء والاجتهادات الواهمة، وشنت الغارة تلو الغارة على معاقل التقليد والعصبية والمذهبية وبدأت عملية إحياء المنهج العلمي على صورة تطبيقات لمسائل أغلبها قد بحثت عند المتقدمين، كتحقيق الصلاة النبوية الصحيحة، وكذلك حقيقة الحج ومسائله، والزكاة ومسائلها، والجنائز وما يتعلق بها، وبدأ المرء يقرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنه مباشرة يتعامل في أخذ الحكم الشرعي، وكان مما دافع به بعض مشايخ السلفية هذه الاجتهادات، حين اتهم خصوم السلفية من المذهبيين والمتعصبين أن على هؤلاء المجتهدين الجدد (السلفيين) أن يبحثوا في المسائل الجديدة الحادثة، ويجتهدوا في إعطاء الأحكام للنوازل، لا أن يتعبوا أذهانهم، ويصرفوا جهودهم للمسائل التي أشبعت بحثا. كان جواب السلفيين على هذه الانتقادات يقول: إننا نتمرن في الاجتهاد والبحث العلمي في هذه المسائل الأولى والتي من خلالها نترقى في الوصول إلى عظائم المسائل ودقائق الأحكام.

وهذا جواب منطقي صحيح، وهو اعتراف أن هذه الأعمال تطبيقات مرحلية وليست النهاية ولا منتهى الطلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت