ويقول: (( أيها الزهاد العابدون: أمامكم خطر القانون الرباني الرهيب إن تخارستم، لا يغرنكم زهدكم ولا صلاتكم، انطقوا بالحق وانهوا عن المنكر، وإلا فهو الهلاك ) ) (5) .
يقول البعض: إن ترك الأفراد يغيرون المنكر بأيديهم سيؤدي إلى الفتن والفوضى. وردًا على ذلك نقول: إن كنتم تقصدون أن تغيير المنكر باليد إذا قام به آحاد الرعية فإن ذلك سيؤدي ولا بد إلى الفتن والفوضى، فهذا منكم تحكم عقلي في مواجهة نصوص صريحة من السُنة وأفعال الصحابة وأقوال العلماء على اختلاف مذاهبهم، وليس يحق لأحد أن يقول برأيه قولًا مخالفًا لما قاله ? كما بيناه من قبل، وكأنهم بهذا يتهمون النبي ? بأنه يأمر بما يثير الفوضى والفتن.
وأما إن كنتم تقصدون أن ذلك الأمر ربما يؤدي إلى الفتن، فنحن قد بينا من قبل أن من شروط تغيير المنكر باليد أن لا يؤدي إلى منكر أكبر منه، ونقلنا كلام ابن تيمية في قياس المصالح والمفاسد بحيث لم تبق لهؤلاء المعاندين حجة يتكلمون بها، ويحسن أن نسوق لهؤلاء كلامًا للإمام أبي بكر الجصاص يقول فيه:
(( لم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث، فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح، وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية مع ما قد سمعوا فيه من قول الله ? {فَقَاتِلُوا الْتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلىَ أَمْرِ اللهِ} وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف وغيره، وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم الله، وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح، فصاروا شرًا على الأمة من أعدائها المخالفين لها؛ لأنهم اقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية، وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل ... المجوس وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب ... الدين والدنيا، وظهرت الزندقة والغلو، ومذاهب الثنوية والخرمية والمزدكية والذي
جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر )) (6) .
أقول: هكذا يقول الجصاص في عصره، فكيف لو رأى عصرنا وما حل بنا من النكبات نتيجة البعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إنني أسجل هنا تعجبي الشديد من أن وزارة الأوقاف المصرية توزع على أئمة المساجد كتيبًا بعنوان: منهج الإسلام في تغيير المنكر، ردد فيه كاتبوه هذه الشبهة ولم يأتوا على قولهم هذا بدليل واحد من الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو حتى قول أحد أهل العلم من سلف هذه الأمة.
والأعجب من ذلك أنهم ينقلون لتأييد قولهم هذا كلامًا من سلسلة: الإسلام دين العقل في مواجهة الفكر المتطرف، وهي السلسلة التي استنكرها الأزهر نفسه وطالب بمصادرتها.
وبعد ...
فإن الفوضى الحقيقية ليست في تغيير المنكر، ولكنها في تركه يتفشى ويزداد وفي محاربة القائمين على تغييره بدعوى الفوضى والفساد.
3 -كيف يبدأ بالوعظ مع أن الحديث بدأ بالتغيير باليد: