يقوى على تغيير المنكر، وأنه يعرض نفسه للهلاك دون أي منفعة للمسلمين وهي الحالة التي أشار الإمام محمد بن الحسن إلى كراهتها فيما نقله عنه القرطبي كما مرّ قريبًا.
وقال الغزالي: (( ... ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار؛ كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام، داخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتنكسر بذلك شوكتهم، فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرَّض نفسه للضرب أو القتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسره جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا وهو عين الهلاك ) ) (56) .
ولا شك أن المنع من التغيير هنا مبني على أن التغرير بالنفس لا يقابله أي منفعة للمسلمين، أما ما كان فيه نفع للمسلمين ولو بمجرد تجرئة قلوب أهل الإيمان فإن جواز التغيير، بل استحبابه هو الأصل الذي ينبغي ألا ينازع فيه.
ولا شك أيضًا في أنه لا بد من معرفة جيدة بالواقع للحكم على مثل هذه الأمور، وهل فيها منفعة للمسلمين أم لا؟ ولا يصح لمن لا خبرة له بواقع بلد معين أن يحكم بأنه لا منفعة ترجى من الإقدام على التغيير، والصحيح أن يترك تقدير ذلك لأهل ذلك البلد، وخصوصًا من يقومون بأمر الحسبة فيه من أهل العلم والنظر الشرعي.
الفصل الرابع
أصل القضية
لا بد أن أشير هنا إلى أن ما سقناه في الفصول السابقة من أدلة على جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، ومن ردود على شبهات المخالفين، إنما كان تنزلا إلى منطق قوم من حملة العلم الشرعي صدَّرهم النظام العلماني ليوهموا الناس أن الخلاف في هذه القضية إنما هو خلاف شرعي حول من له سلطة تغيير المنكر باليد، وليتم إغضاء الطرف عن أصل القضية ولُبِّها؛ وهو وجود سلطة حاكمة تُنحِّي شريعة الله عن الحكم بين الناس، وبالتالي تُلبِسُ كثيرًا من المنكرات ثوب الشرعية القانونية، ويُعَدُّ من حاول تغيرها خارجًا عن القانون مستحِقًا لأقصى العقوبات.
إن مشايخ النظم العلمانية ومن لفَّ لفهم في هذه القضية قد أخطؤوا خطأين كبيرين:
الخطأ الأول: عندما تبنوا رأيًا مخالفًا للأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة الذي انعقد -كما أسلفنا- على جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية.
والخطأ الثاني: عندما ألبسوا هذا الخلاف ثوبًا لا يليق به؛ فجعلوه خلافًا بين رعية مسلمة وسلطة مسلمة تحكم بالشرع، حول أحقية أي منهما بتغيير المنكر باليد!! وهذا غير صحيح فالسلطة الحاكمة لا تحتكم أصلًا إلى شرع الله ?، بل تحتكم إلى أهواء البشر وعقولهم، والأمر عندنا واضح وضوح الشمس، فمن ترك شريعة الله واحتكم إلى غيرها فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى من يماري في ذلك أن يتدبر قول الله ?: {فَلاَ وَرَبِكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ ويُسَلِمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65) .