يقول الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- حول هذه الآية: (( وقد نفى الله ? الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي ? فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكراره أداة النفي والقسم ) ) (1) .
ولا عبرة بإبقاء بعض أحكام الزواج والطلاق ونحوهما مستمدة من أحكام الشريعة، فإن من شَرَعَ للناس ولو حكمًا واحدًا، فقد نازع الله صفة التشريع وهي من أخص صفاته سبحانه.
ولذا فإن الإمام ابن كثير قد حكم بكفر من تحاكم إلى الياسا التي وضعها جينكيز خان لأتباعه مع أن فيها ما هو مأخوذ من شريعة الإسلام، وذلك حيث يقول -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 50) : (( ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ... ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جينكيز خان الذي وضع لهم الياسا؛ وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا مُتَّبعًا يُقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ?، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير ) ) (2) .
بل إن ابن كثير -رحمه الله- قد نقل الإجماع على كفر من تحاكم إلى الياسا حيث قال في البداية والنهاية: (( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) ) (3) .
ويعقب الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في عمدة التفسير على كلام ابن كثير الأسبق فيقول عن تلك القوانين الوضعية التي تسود بلاد المسلمين اليوم: (( إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس؛ هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها ) ) (4) .
ويقول -رحمه الله-: (( أَوَ يجوز لرجل مسلم أن يليَ القضاء في ظل هذا(الياسق العصري) وأن يعمل به ويُعْرِضَ عن شريعته البيَّنة؟ ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملةً وتفصيلًا ... ، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة )) (5) .
فإذا كان هذا حُكْم تولي القضاء في ظل هذه القوانين الوضعية، فكيف بمن شَرَعَ للناس تلك القوانين وأمرهم باتباعها، وكانت شرعية ولايته مستمدة منها؟! إن الأمر حينئذٍ يكون أكثر جلاءً ووضوحًا في أن كل حاكم نحَّى شريعة الله ? وحمل الناس على التحاكم إلى غيرها، فولايته باطلة بطلانًا أصليًا أشد من بطلان ولاية القضاء في ظل القوانين الوضعية، والله أعلم.
وإذا كان الأمر بهذه المثابة، تبينت لنا خطورة الثاني من الخطأين اللذين أشرنا إليهما في صدر هذا الحديث، وأنه أشد بكثير من الخطأ الأول؛ ذلك أنهم بهذا الخطأ الثاني قد أضفوا صفة الشرعية على نُظُمٍ ساقطة الشرعية لكونها قد وضعت للناس شريعة غير شريعة الله ?، وحملتهم على التحاكم إليها واحترامها والرضى بها، وتلك مسألة -كما رأينا- في صلب العقيدة، وليست مجرد خلاف فقهي قد يَهون أمره.