في السيرة النبوية والاهتداء بها تعميقٌ لعلاقة المسلم بشقِّ الشهادة الثاني محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو إن عمل عملًا أو سار مسيرًا فإنَّه يشعر بعمق الارتباط بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو سائرٌ على الخطى المحمدية ويحس بها في كلِّ خطوة يخطوها، وهذا بخلاف (المتضلع) بهدي الأغيار والسير على مناهجهم، فإنَّ باطنه مشغولٌ بشخوصهم الوثنية المقيتة، وهذا رأيناه في عالم الواقع بين شخص يحاول أن يلبس ويتحرك ويجيل نظره مقتديًا بجيمس بوند فهو حريص على مشابهة اللفتة للَّفتة والهيئة للهيئة، وبين شخص لم ينشغل باطنه إلاّ بالشّخوص المهتدين - مَن ذكرهم الله في كتابه - ومن قرأ عنهم في السّيرة النّبويّة.
إنّ صلاح وإعمار الباطن يكون بالاقتداء بشخص النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وهديه وشخوص الصّحابة كعُمر وخالد وأبي عبيدة والقعقاع -رضي الله عنه-م وهو يضاد إعمار الباطن بهدي جيفارا وماوتسي تونغ ولينين وغيرهم من شخوص الوثنيّة والضّلال، إعمَار الباطن بهدي المهتدين يكون بالتّضلّع لا بانتقاء السيرة النّبويّة وفِقه الأئمّة، وإعمار الباطن (بل خرابه) بهدي الوثنيين يكون بالتّضلّع بسيرتهم وحركتهم.
في السّيرة النّبويّة علاقة مع عالم الغيب، حركة ومسيرة لا تخرِمُ شيئًا من سنّة الله تعالى الكونيّة، بل هي في إطارها، ولكنّ من سنن الله الكونيّة علاقةُ الشّهادة بالغيب، ومن سنّته حصول الرّعب لدى الأعداء، ومن سنّته حصول أثر الدّعاء، ومن سنّته أن ينصر المؤمنين به بسبب ضُعَفائهم، هذه السُّنن الكونيّة سننٌ تعادل شطر عالم الشّهادة وسنن الحياة الظّاهرة لا ينتبه لها إلاّ المتضلّع بسنّة النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، أمّا المتنكب فهذه أمور لا يقيم لها وزنًا ولا يرفع لها رأسًا.
سبابة الدّعاء المرتفعة إلى السّماء تعادل سيفًا ورمحًا مُشرَعًا، بكاء الثّكالى وصراخ المظلومين هي سهام الليل التي يشتّت الله بها الأعداء والكفّار.
إنّ أعظم البشر وأشجعهم وأشدّهم بأسًا -صلى الله عليه وسلم- كان في بدر يناجي ربّه، لأنّ هذه المناجاة من أعظم السنن التي يستغلّها أهل الإسلام في القضاء على الأعداء والكفّار.
كان أهل الإسلام إذا سمعوا أهل الحصن أو البلدة يسبّون النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- استبشروا بسرعة حصول النّصر على هذه القرية والبلدة كما ذكر ابن تيمية في"الصّارم المسلول"، هذه المعاني الحقيقيّة، وهذه الأسباب الكونيّة في ميزان القوى بين أهل الإسلام وبين أعدائهم لا يهتدي لها ولا يحسب لها حسابًا إلاّ المتضلّع بسنّة النّبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، أمّا ذاك الرّجل المتضلّع بسيرة الوثنيين والجاهلين فإنّه يستعيض عن سهام الليل أكف الدّعاء بمعاصي يمرّرها تأويلًا لها من باب المصلحة الموهومة والسّياسة الشّرعيّة التي لا ضابط لها ولا زمام يقيّدها في ذهنه وعقله.
فما من معصية يحتاج لها أهل الإسلام في معركتهم مع أعداء الله تعالى إلاّ بسبب غفلتهم عن طاعةٍ وشرعٍ علّمهم الله إياه فنسوه ولم يهتدوا له، فذهبوا يستعيضون عن السنَّة بالبدعة، وعن الطاعة بالمعصية، وعن عالم الغيب ورجاله برجال الكفر والبدعة.
فعالم الغيب الذي فيه الستر الإلهي والنَّصر الإلهي والتأييد الإلهي هو عالمٌ يشترك مع عالم الشهادة في سنن الله تعالى في الجهاد والتغيير والنصر والفلاح.