ومن ذلك حديث مسلم المتقدم في شأن الأمراء ونهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتالهم ما أقاموا فينا الصلاة فهو إشارة إلى إقامة الدين والتوحيد مع الصلاة وليس المقصود إقامة الصلاة وحدها بغير توحيد!! بدليل أنّ الأمر بالقتال كما في الأحاديث الأخرى المبيّنة لهذا الحديث يذكر أول ما يذكر فيها قبل الصلاة والزكاة: (تحقيق التوحيد) كما في الحديث المتفق عليه"أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله".
فتأمّل ذكر التوحيد وأنّ القتال ابتداءًا عليه، ومن ثم على حقوقه ولوازمه.
وهذا معنى قوله تعالى {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} .
فإن تابوا: أي من الشرك والكفر وخلعوا عبادة غير الله وحقّقوا التوحيد ومن ثم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد عُصمت دماؤهم وأموالهم إلا بحقّها.
أما إقامة الصلاة دون التوبة من الشرك ودون التوحيد أو إقامة الصلاة مع نواقض لا إله إلا الله فلا تغني من الله شيئًا، وكم من مصلٍّ في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفر وارتدّ بكلمة.
من نواقض هذا التوحيد العظيم ومن أمثلة ذلك ما قدّمناه لك في النّفر الذين خرجوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجاهدين في غزوة تبوك وهم من المصلِّين ومع ذلك كفروا لمّا جاءوا بناقض من نواقض التوحيد والإسلام، هو استهزائهم بحفظة كتاب الله قال تعالى {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وكانوا يصلّون.
وعلى مثل هذا مضى علماء المسلمين ولذلك جعلوا في كتب الفقه بابًا يسمى (باب حكم المرتدّ) وعرّفوه بأنه المسلم الذي يرتدّ بقول أو عمل أو اعتقاد بعد إسلامه وربما يكون مصليًا.
ولذلك أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكفر عبيد الياسق وهو دستور أو قانون التتار في زمنه كما أفتى بكفر أنصارهم وعساكرهم مع أن فيهم من كان يصلّي، وراجع المجلد 28 من فتاواه.
ومثل ذلك كله يقال في حديث ذي الخويصرة فقوله"أليس يصلي؟"أو"لعله أن يكون يصلي".
فيه قاعدة الأخذ بالظاهر والعلانية وترك السريرة إلى الله وأنّ ذلك الرجل كان يُظهر التوحيد لأن القاعدة التي عرفتها فيما تقدم تقرِّر أنّه لا قبول للصلاة وحدها دون التوحيد. فلو أنّ هذا الرجل كان يعبد الطاغوت أو ينصره أو يقبل غير الله مشرعًا وحكمًا ويُظهر ذلك لماَ قبل منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإسلام بالصلاة وحدها .
فمن الفوائد المستفادة من هذا الحديث وأمثاله أننا نعصم دم ومال كل من بصلي إلى قبلتنا ونعده من أهل القبلة المسلمين لتضمن الصلاة للتوحيد، ما لم يظهر منه ناقض أو قاطع من قواطع الإسلام الظاهرة البينة ..
وأنصار القانون قد أظهروا تولي الشرك (القانون وأهله) وظاهروهم على الموحدين، وهذا ناقض ظاهر من نواقض الإسلام فلم ينفعهم إظهارهم للصلاة مع تلبسهم بتلك النواقض ولم يغن ذلك عنهم شيئًا.
الشبهة الرابعة
من كفّر مسلمًا فقد كفر:
قال المجادلون عن عساكر القوانين: إنّ التكفير أمر خطير لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد قال:"من كفّر مسلمًا فقد كفر"بل سمعنا بعض جهّالهم يقول: لا يجوز تكفير إلا من وُلد كافرًا من أبوين كافرين.