فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 431

ولذلك لا تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره من الأعمال ما داموا لم يحققوا شرط قبولها.

أرأيت لو أنّ هذا العسكري أو ذلك الضابط أو الجاسوس أو الأمن الوقائي أو المخابرات أو غيرهم صلّوا صلاة من غير وضوء، ترى صلاة أحدهم مقبولة عند الله تعالى؟ أم هي باطلة مردودة على وجهه؟.

لعلك تقول هذا أمر لا يختلف فيه شخصان ولا ينتطح فيه عنزان لا شك أنّ الصلاة بغير وضوء باطلة مردودة.

فتأمّل هذا الموضع يا عبد الله إذا كان ترك الطهارة مبطل للصلاة لأنه شرط في صحتها، فكيف بترك التوحيد والكفر بالطواغيت الذي هو أعظم شروط قبول الأعمال؟.

ولذلك فهو الشرط والأمر الذي أوجب الله على ابن آدم تعلمه والعمل به قبل تعلم الصلاة وشروطها والطهارة وشروطها ونواقضها.

وهو الشرط الذي فرض على الصحابة في مكة قبل فرض الصلاة وغيرها، ومعلوم أن الصحابة ما عُذِّبوا في مكّة ولا ابتُلوا وهاجروا وأوذوا إلا من أجله إذ لم يعذبهم قومهم ولا آذوهم لأجل الصلاة أو الزكاة أو غيرها من الطاعات والشرائع التي لم تكن قد فرضت ولا طولبوا بها بعد وإنما طولبوا أول ما طولبوا بتحقيق ذلك الأمر العظيم لأن تلك العبادات لا تقبل بدونه ولذلك لم يكن من أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا من طريقة دعوته هو وأصحابه أن يبدأوا في دعوة المشركين بالصلاة أو بالزكاة أو نحوها من الشرائع قبل دعوتهم لتحقيق التوحيد واجتناب عبادة الطواغيت، لا والله ما كانت هذه دعوتهم أبدًا.

وتأمل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين حين بعثه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن وعلّمه أسلوب الدعوة وطريقتها قال:"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله".

وفي رواية"إلى أن يوحدوا الله""فإن هم أطاعوك لذلك فأعْلِمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد أوجب عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ إلى فقرائهم. . . الحديث".

فدعوة الإنسان إلى الإسلام ابتداءً لا تكون من الصلاة بل من التوحيد.

ثم يؤمر إن حقق التوحيد بالصلاة والزكاة وسائر الأركان.

فمن حقّق التوحيد واعتصم بالعروة الوثقى نجى وقُبلت منه الصلاة وسائر الأركان ومن تمسّك بشرائع وأركان الإسلام دون أن يتمسّك بالعروة الوثقى فهو من جملة الهالكين.

لأن الله لم يضمن لشيء من عرى الإسلام الإيمان أن لا تنفصم إلا إذا انضمّت إليها وارتبطت بها هذه العروة الوثقى التي ضمن سبحانه أن لا تنفصم قال تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 256 البقرة.

لذك فإنّ كثيرًا ممن نصبوا بالعبادة في الدنيا تردّ عبادتهم على وجوههم يوم القيامة ويكون مصيرهم النار، قال تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} أي في العبادة ثم مصيرها: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} لأن عبادتها وصلاتها وتعبها ونصبها كان هباءً منثورًا، لأنه بغير توحيد وإخلاص فإذا فهمت هذا وعلمت أنه قاعدة من قواعد دين المسلمين وأصل محكم من أصولهم يُردّ إليه كل ما تشابه من النصوص فافْهَم على ضوئه بعد ذلك كل حديث يشكل عليك في هذه الأبواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت