المُلتهب وهو غزوة الأحزاب، إذ أنّ الفتنة تكشف الصادق في كلماته، والكاذبَ في دعواه، فكان الجهادُ في غزوةِ الأحزاب كاشفًا للحقائقِ النَّفْسيةِ لهذا الحليف الخبيث، وكم هي مؤلمةٌ أن يكتشفَ الطَّاهر الصَّادِقُ كَذِب وتزييف المدَّعي!! إنَّها لمؤلمة حقًا أن يكتشف سعدٌ بن معاذ أنّ حلفائه كذَبةٌ فَجَرة ينقُضُون العهودَ والمواثيق بلا حساب أو وَخْزةِ ضمير، وعلى هذا فسيكون عقاب هذا الرجل شديدًا على من خَدَعَهُ. وهكذا كان حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. إنّ الجهاد بصفته مبدأً وعقيدةً أنشأ عقيدةَ البراءِ من المشركين، وبالتالي دفع الصحابة لقتل أعداء الله، وإنَّ الجهاد بصفته حركةً وسلوكًا كشَف للصحابة مِقدار خبثِ العدوّ، وبالتّالي ذهَبَتْ كلّ أعذار المعوِّقين بأن هناك مجالًا طيّبًا في نفوس أعداء الله يمكن أن تستغل في الدّعوة إلى الله.
ولقد رأيت لبعض المعتوهين ممّن ينتسبون للفكر الإسلامي!! معالجةً غريبة لحكم سعد -رضي الله عنه-، حيث ذهب هذا المعتوه إلى القول:"إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحكم على اليهود هذا الحكم لأنّه يناقض مبدأ الرّحمة والإحسان الذي بُعث به، ولذلك ترك الحكم لسعد بن معاذ، ليكون حُكْمًا لسعد لا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-"!!، ولكن أين ذهب هذا المعتوه من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحكم سعد: (( لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبعة أرقعة ) ).
مات سعد ..
فما الذي حدث عند موته؟ وماذا حدث في جنازته؟.
عندما مات اهتزّ له عرشُ الرحمن حزنًا عليه أن لا تصعد إليه الأعمال الصالحة من سعد .. واهتز له فرحًا بقدوم الروح واستقرارها معلقة بالقناديل الخضر المعلقة فيه ..
أما في جنازته فقد مشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رؤوس أصابعه لكثرة ما كان من الملائكة في المشيّعين!.
فهكذا رجال الجهاد يحيون، وهكذا يموتون ..
في غزوة الأحزاب تغيّرت موازين القوى في الجزيرة العربيّة، لأنّ روح الجهاد وحركة الجهاد تُعيد ترتيب الأوضاع حسب مفهومٍ إيمانيّ، فإذا سَرَت روحُ الجهاد وحركته، في قومٍ أذلاّء محتقرين، فبالجهاد تنقلب الذّلة إلى عزّة، والاحتقار إلى احترام وتقدير، ولا يمكن وجود أمّة من الأمم فيها النّجاح والعزّة إلاّ وروح الجهاد تسري في جميع أوصالها.
والآن كيف غيّرت غزوة الأحزاب موازين القوى في الجزيرة العربيّة؟.
الشوكة من النكاية إلى التمكين:
ابتداءً علينا أن نعلم أنّ النّصر الكبير الضّخم مجموعة من سلسلة انتصارات صغيرة، ولا يمكن أن يقع شيء في مجال النّصر والهزيمة بصورة طفرةً مفاجئة تباغت المنتصر أو المهزوم، إذ الطّفرة التي لا مقدّمة لها لا وجود لها إلاّ في عقول مشايخنا وقادتنا فقط، فإنّهم يحملون في كلّ ما يقولون ويرتّبون لضربة يحضّر لها تحضيرًا تامًّا وكاملًا، بعيدًا عن أعين الخصوم وبهذه الضّربة المفاجئة المباغتة نقضي فيها على الخصوم، وبها نتجنّب الكثير من الدّماء التي تراق، والأرواح التي تزهق، ومشايخنا يدندنون على هذه الفكرة كثيرًا، وعلى ضوئها يتراجعون عن الصّراع تحت شعارات التّربية والإعداد، وهذه الفكرة تجد صدىً وقبولًا في النّفوس، لأنّها جميلة جدًّا، ورائعة جدًا، وورديّة جدًّا، وهي مع ذلك كلّه هشّة جدًا جدًا، أمّا أنّها جميلة وورديّة، فكيف لا تكون كذلك وهي تقدّم للإسلاميين النّصر والعزّة والسّؤدد على طبق من ورد؟ ثمّ كيف لا تكون