فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 431

عبوديّته لسيّده -جلّ في علاه- صار يعرِفُ ما يريدُه سيّده، وما هذا إلاّ بسبب الطّاعات وكثرة القرب كما قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا} ، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسيّ: (( وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ور جلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه ) )، ثمّ انظر إلى دعائه الأخير، والذي يكشِف فيه سبب رغبَتِه في زيادَة العُمر إن كانت ثمّ فائدة، وما هي هذه العلة التي من أجلها يطلب طولَ العُمر: إنّها مقاتلة المشركين:"اللهم إن كنت أبقيتَ من حربِ قريشٍ شيئًا فأبقني لها". إنّ الحياة ليست بطول السّنين ولا بكثرة الأيَّام، وليس جمالها برغَد الطّعام ولينِ الفراش، ولكن إن كان ثمّة رغبة في الحياة فهي بسبب الجهاد، وهذه نفسيّة أغلب أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فهناك قولٌ لعمرَ بن الخطّاب -رضي الله عنه- شبيه بقول سعد، وكذا لخالد بن الوليد، ولأبي بكر -رضي الله عنه-م جميعًا، وكلّها تشهَدُ أنّ الجهاد صار هاجس النّفس، ومنتهى الطّلب، وغاية المُنَى، وإن كان الله تعالى قد كتب الجهاد وهو كُرهٌ للبشر كما قال في كتابه - جلّ في علاه: {كُتِبَ عليكُمُ القِتال وهو كره لكم} ، فإنّ تلك النّفوس ما زالت تترقّى وتتعالى على شَهَوَاتِها حتّى صار الجهاد شهوتها ورغبتها:

وذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع

إنّ هناك فارقًا كبيرًا بين جيل كان يطلب الإذن للقتال، وإذا سمع شرًّا بادَرَ بمعالجته بالسّيف:"أفلا ننابذهم؟"، وبين جيلٍ يلتمسُ المعاذيرَ والحُجَج الهزيلة لإسقاط الجهاد أو تعويقه أو تأجيله. شتّان بين هذين الجيلين؟.

لقد كان لحكم سعدٍ بن معاذ -رضي الله عنه- - هذا الحكم الرائع - على بني قريظةَ موجباتٌ ومقدِّمات عقليّة ونفسيّة، وهذه العقليّة والنفسيّة قد شكّلها مبدأ الجهاد أوّلًا، ثم مسيرةُ الجهادِ ثانيًا، وخاصّة حدثُ الأحزاب، إنّه لا يُمكن أن يَصدُر هذا الحكم بلا مقدِّمات موضوعيةٍ حقيقيةٍ:

رجلٌ بينه وبين قومٍ وشائجٌ وصلاتٌ هي من أقوى الصلات بين الناس يومَ ذاك، ومن أجلها يبذلون الأرواح والأموال والطّاقات، فالحليف كان ينصر حليفه حتى لو أدت هذه النُّصرة إلى المهالك، ثمّ هذه الوشائجُ والصِّلات بإنشاء الأحلاف لم تكن تنشأ من فراغٍ نفسي، بل من وجود محبَّةٍ وعلاقةٍ خاصّة بين المتحالفين، وها هنا الأوس وبني قريظة، ثمَّ وفي ظَرْفٍ يصدِرُ الحليف حكم الموت على حليفه:"حكمي فيهم بأن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذراري والنساء"، وهذا الحكم ليس موجبه الخلاف القبلي ودليل ذلك أن الأوس جعلوا يطوفون به يرجونه بأن يُعتقهم ويطلق سراحهم، فما هي هذه الموجِبات التي جَعلته ينطق هذا الحكم الرائع العادل؟.

قلنا إنّ هذه الموجبات منشؤها الجهاد، وحركة الجهاد ومسيرة الجهاد. فالجهاد بصفته مبدأً وعقيدةً أنشأ في نفس المسلم الصّحابيّ بغضًا للكفر وأهله، إذ أنّ المرءَ لا يندفع بقوّة كافية للقَتل والقِتال إلاّ بعد أن تمتلئ نفسه بالبغض والكره لخصمه، وقد بغّض القرآن الكريم الكفر والكافرين لأتباعه ورجاله، ودفعهم بكلِّ ترغيبٍ إلى مصادَرَة حياة الخصوم .. {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} .. {قاتلوهم يعذِّبهمُ الله بأيديكم} .. {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} .. {واقعدوا لهم كل مرصد} ، ولولا مبدأ الجهاد وعقيدة الجهاد لما أمكن أن تصل النّفس المسلمةُ إلى درجة البراءة المطلوبة ضدّ المشركين، فمبدأ البراء من المشركين يعبَّأُ ثمَّ ينفَّذ من خلال الجهاد في سبيل الله .. ثمّ بسبب الجهاد اكتشف الرجل النّقِيُّ الطَّاهر الوفيّ خبث الشَّريك والحَليف، وأنه لا يستحقُّ حِلفه لأنّه خائنٌ، وما كان للنَّفسِ اليهودية أن تَظهَرَ على حقيقتها إلا بهذا الظَّرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت