ذلك كله من العبادة التي لا يجوز صرفها إلاّ لله تَعَالى وحده، وإذا صرف العبد شيئًا من ذلك لغير الله تَعَالى ومات عليه مات مشركًا.
وقد قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] .وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48] . وقال سبحانه {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .
واعلم أن من أهم أقسام العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله تَعَالى أَيْضًا وإلا كان الإنسان مشركًا: (الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع) فمن أطاع غير الله تَعَالى في ذلك أو أظهر الرضى والتسليم بحكمه وتشريعه وقانونه ... وتابعه على ذلك .. فقد أشرك واتخذ ذلك المتبوع ربًّا .. قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .
• جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله: باب (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) اهـ. وذكر فيه حديث عدي بن حاتم في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] .
• وقال تَعَالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] ، روى الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس؛ أن أناسًا كانوا يجادلون المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون: (تَاكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلاَ تَاكُلُونَ ممَّا قَتَلَ اللهُ) يعنون: الميتة. فقال تَعَالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وانظر كيف أكد سبحانه وتعالى ذلك بأن المؤكدة ..
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك) اهـ.
ويقول الشنقيطي في تفسيره، عن هذه الآية: (فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرّح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) . اهـ.
• ويقول تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] .
يقول العلامة الشنقيطي: (إن متبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله) ثم سرد الآيات المبينة لذلك إلى أن قال: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، إنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلاّ من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم) اهـ. وقال في موضع آخر: (فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته ... وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ولا تُشركْ في حُكمه أحدًا} بصيغة النهي) ويقول: (لما كان التشريع وجميع الأحكام شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية ... كان كل من اتبع غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله.) اهـ.