فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 431

وبعد أن قرّر الله تعالى حُكم الأسوة والقُدوة، وأنها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحيث أنه صبر فعليكم أن تصبروا، وتقاتلوا، فلا ينبغي لكم أن تتركوه وحده في مواطن القتال والنزال، بل لا يجوز لكم أن تستأذنوه في ترك القتال كما قال الله تعالى: {لو كان عرَضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتّبعوك ولكن بعُدَت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتّى يتبيّن لكَ الذين صدَقوا وتعلَم الكاذبين لا يستأذِنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنّما يستأذنُك الذين لا يؤمنون بالله واليومِ الآخر وارتابت قلوبُهم فهم في رَيْبهم يتردّدُون} التوبة. ذلك لأنّ الاستئذان هو هروب من نصرة دين الله تعالى، وخذلٌ له، ولا ينبغي للمسلم أن يخذل دين الله تعالى، أو يَتَوانى عن نصرته، وإنّه من البيان الضّروري أن تكون الأُسوة في هذا الباب أعني باب الصّبْر على القتال ودوام الارتباط به عملًا وفِكرًا، ودعوةً، وتحريضًا، وردًّا على شبه المثبِّطين والمخذِّلين، أو المعوِّقين له بإسقاط أحكامه في أي عصر من العصور.

إن القيام بهذا الأمر أسوة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقوى عليه إلا المتعلّق بالآخرة، الرّاجي لأجْرِها أن يُصيبه، ولعذابِها أن يخطِأَه، والذّاكرُ لربّه تقويةً لقلبه، وتطمينًا له من أن يهتزَّ أو يرتجف كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاذكروا الله كثيرًا لعلّكم تفلحون} الأنفال، لأن الأُسوة في هذا الباب تكاليفها شاقّة عالية، يرى المرءُ آثارها بأمّ عينَيْه، ويعيشُ هذه التكاليفَ لحظةً بلحظة، فهو معذَّبٌ من طواغيت الأرض، أو مطاردٌ غَريب، أو محاصَرٌ مَحْبوس، أو مهدّدٌ يرْقب الموتَ في كلِّ آن، ومثل هذا الحال لن يصبِر عليه إلا من قام به من أجل الآخرة، واستعان على هذا الصبر بذكر الله تعالى، وبهذا يتحقق التوافق بين ذكر الأسوة وبين ذكر وصف القائم بها، وذلك بخلاف المتأسِّي به في غير هذا الباب، إذ أنّه قد تجتمع رغبة النّفس وشهوتُها مع الأسوة في أبواب أخرى كثيرة معلومة لدى القاصي والدّاني، لأنّ الأسوة في هذا الباب لا تكلِّف كثيرًا، ولا تصابر النّفس نفسها عليها، بل تقوم عليها راغبةً فرحةً، لا تخاف شيئا لترجو غيره، ولا تضطرب فتحتاج إلى الاطمئنان.

{ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليما من المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحْبهُ ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا} .

بعد أن وصف الله تعالى المنافقين وأحوالهم، وذكر حركة الكافرين من الالتفاف حول المدينة، وبعد أن وصف الله تعالى عِظَم الزّلزلة على قلوب المؤمنين {هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزلوا زِلزالًا شديدًا} أخبرنا الله تعالى عن الصحابة -رضي الله عنه-م، وماذا كان تفسيرهم لحدث الأحزاب وكيف كان فقههم له، {هذا ما وعدنا الله ورسوله} ، إنّ جمع الأحزاب هو وعدٌ الله ورسوله?، وانظر أخي في الله تعالى إلى أدب الصحابة -رضي الله عنه-م حين سمُّوا الابتلاء وعدًا، مع أن لفظ الوعد يحمِل البِشارة وليس النِّذارة، والأحزاب نِذَارةٌ، فكيف سمّوا الابتلاء وعدًا؟!.

إنّ تسميةَ الابتلاء وعدًا من تمام الفقه والفهم، لأن وعود الله تعالى بحصول الخير، وقدوم البِشارات لا تتمُّ إلاّ بعد الابتلاء والتّمحيص، فحيث رأى المؤمن الابتلاء قادمًا إليه، فهو رابطٌ له ولا شك بما سيأتي بعده، وهو وقوع الوعد، لكن بعد اتِّخاد الموْقف الصّحيح، وفي كلامهم -رضي الله عنه-م موقِفُهم من الحدث، فحيث قالوا: إن هذا الابتلاء هو وعد لله تعالى، فهو موقف منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت