إنّه ليستعلي في السّجن بخلوته، ومع القتل بشهادته، ومع النّفي بسياحته، ذلك هو الإيمان، وإنّ النّفاق مخذول مع منصبه وشاراته وأمواله وحشمه، لأنّه النّفاق!! {قد يعلم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلًا أشحّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حدادٍ، أشحّة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فأحبط أعمالهم، وكان ذلك على الله يسيرا} .
أرأيت أخي: هم، هم، في البأساء والضّرّاء، معوَّقون ومعوِّقون، فإذا أتوا إلى مواطن النّزال أتوا قليلًا، من أجل الرّياء والسّمعة، حتى يرجع الواحد منهم إلى بلدته ويخطب آلاف الخطب، ويجمع آلاف الدّنانير، في الحرب ينصحون بترك المعركة، وفي السّرّاء إيذاء ورميٌ بسوءِ الأقوال من كلِّ جانب، عيونهم مفتّحةٌ، مجهريّة البصر في النّظر إلى الأخطاء والسّقطَات حتّى يسيروا فيها شرقًا وغربًا، لكنّها كلَّةٌ تعِبَة عن رؤية الخير وإبصاره، جيوبهم منتفخة، كريمة على نفسها وعيالها، يبني الواحدُ منهم كأنّه مخلّد، ويجمع المال باستكثار يظهر عليه، حتّى صار الواحدُ منهم يعَدّ من أثرياء بلده، وصارت أموالهم محطّ تندّرٍ من قبل الأعداء والخصوم، بنوكُهم تسجّل في بلاد الـ"واق واق"، تأتيهم هباتُ الملوك وشيكاتُ الهدايا بملايين الرّيالات، من أجل فتاوى رخيصة وخطب قبيحة.
لقد تكلّم الله بهذه الآيات والكلمات، وهي كأنّها صورة كونيّة للحدث، كلمات الله تنقلنا نقلات سريعة، وكذا حدث الأحزاب، اختلطت فيه صورة المشركين {جاءتكم جنود} .. {جاءوكم من فوقكم} ، وصورة مشاعر النّاس جميعًا بصورة خاطفة: {وتظنّون بالله الظّنونا} ، ولم يتكلّم الله عن مشاعر الكافرين شيئًا، بل يكفي أن يقول عنهم أنّهم جنود، جنود فقط، فلم يتكلّم شيئًا إلاّ عن حركتهم الظّاهرة: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} . ثمّ شرع القرآن في وصف المؤمنين، حيث انتظرنا وصفًا مُسهبًا: {هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزِلوا زِلزالًا شديدًا} ، لفتة سريعة، كلمات مفعمة بالبيان، وتحتاج إلى ما وراءها، ولكنّ سرعة المعركة تقتضي سرعة الوصف، وفجأة تنتقل إلى المنافقين، كلمات الله إلى المنافقين، وتتحدّث، وكأنّهم في معزلٍ عن أرضِ المعركة، مشاعرهم خاصّة، وأقوالهم خاصّة، جسْمٌ غريب، يتوقّف عندهم حديث المعركة ليحكي لنا أصولهم السّابقة، ومعالمهم قبل الحدث، وكيف يعالجون الأحداث بتعليقاتهم وتحليلاتهم، ويفضح الحديث علّة حركاتهم وسكناتهم، وكأنّ المعركة ما جاءت إلاّ لهذا الأمر، وهو فضح المنافقين وكشْف عوراتهم.
ووسط ذلك كلّه، فجأة يلقي الرّب جلّ في علاه علينا هذا التقرير والإحكام قائلًا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} 21، وعلى الرّغم من أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة المؤمنين في الأمور كلّها، وعلى الرّغم أنّ هذه الآية حجّة في وجوب اتّباع النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، إلاّ أنّ علينا أن نتوقّف أمام سِياقها، وسِباقها، فقد قرّر الله هذه الأسوة من خلال حديثه عن المعركة، وتفاعلات النّاس حولها، نعم أسوة لنا بلباسه، وأسوة لنا بصلاته، وأسوة لنا بمأكله، وأسوة لنا بشأنه كلّه، لكنّ الحديث عن الأسوة انطلق من وسط فتنة الأحزاب، وغبارِ المعارك، وصلابة القرارات، فأين المتحدّثون عن الأسوة بحبّه لبياض الثّياب، وكثرة التّطيّب، وذراع الذّبيحة، .. و!.
ليعلموا أنّ حديث القرآن عن القدوة والاتّساء كان من خلال حديثه عن غزوة الأحزاب.
إنّه النّبيّ لا كذب ... إنّه ابن عبد المطّلب