يفصل بين الداعي والمحيط الذي يحتاجه لدعوته، فعمل الداعي هو النور في الناس، وتعليمهم الخير، وكسب أتباع لدعوته، وترقية لأفراد دعوته في الطريق، فالسجن حرمان من هذا كله، إذ أنه يعزل الداعي عن محيطه ليمنعه من التأثير والكسب.
وفي هذه الغربة المعاصرة حيث بدأ الدعاة يدعون إلى الله، وتمت سنة المدافعة بين فريق الحق وفريق الباطل، وملأ الطاغوت السجون بالدعاة، وتكررت صور الابتلاء وإلى الآن، كانت التجربة الأولى أن دخلت مجموعات السجون، فماذا صنع فيهم السجن؟.
كان السحن وعاء تشكل لونه بلون الداخل فيه، فبعضهم انتكس ووقع، وهؤلاء على الأغلب قلة لا يؤبه بها، ولكن الأغلب خرج من السحن وهو يحمل ذكريات الألم والعذاب، وخرج ليكتب للناس مذكرات كربلائية مليئة بالبكاء والنواح حاول كل واصف فيها أن يستدر عواطف القراء نحوه، وأن يكسب شفقتهم عليه، وقد وجد أدب داخل المكتبة الإسلامية يمثل هذا النوع من الفنون، من البكاء والنواح الكربلائي، وكان القصد من هذا هو تعليق النياشين (الأوسمة) على الصدور بأن هذا قد عذب وضرب، ولم يخرج من الآن من هذا الصف المبتلى دراسة أو دراسات تكون زادا للجيل القادم من هذه التجربة، فالسجن بلاء: إما أن يكسر، أو يعصر، أو يثمر فيخرج صاحبه منه منقى من كل الشوائب، شوائب الأفكار، وشوائب النفس، فتترقى مدارك المرء، وتنصقل نفسه في تطورها وتربيتها، فالممتحن لا يمدح إلا بمقدار استفادة المرء منه، لا من حيث هو في نفسه ممدوحا مرغوبا، فقد ينتكس المرء فيه، وقد يخرج منه كما دخل جهلا وعماء وسوء خلق، وقد يرتقي فيه، وكل هذا بحسب المرء ونظره إلى ما تمر به الحياة من مظاهر وظواهر، فليس السجن مرتبة مدحية، ولا هو بالذي يطلبه المرء ليكون الأفضل بين أقاربه، ولكن ينظر إلى مقدار اكتساب المرء من هذه التجربة.
السجن (أو المدرسة اليوسفية)
عند أنصار فلسفة مذهب ابن آدم الأول
جرى بعض الباحثين على تسمية السجن بالمدرسة اليوسفية - نسبة يوسف عليه السلام - والحق أن القرآن لم يحك لنا شيئا عن أهمية السجن ليوسف عليه السلام، ولم يذكر لنا شيئا عن أثر هذه المدرسة - إن كانت مدرسة - على يوسف عليه السلام، بل الذي اهتم به القرآن هو:
1 -أن يوسف عليه السلام اشتغل بالدعوة إلى الله في السجن، ولم يشغله السجن عن هذه المهمة، بل كان يستغل أصغر الأمور ليوجه أنظار أهل السجن معه إلى تأليه الله وتوحيده، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} يوسف.
2 -محاولة يوسف عليه السلام الخروج المبكر من السحن وذلك حين قال لصاحبه: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} يوسف.
3 -حمده لله تعالى أن أخرجه من السجن، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ} يوسف.
4 -قبوله دخول السجن - إن كان لا بد منه - على تبديل المواقف وتغيير المبادئ {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} .